"إيدز" مصر إلى الواجهة مجدداً

17 اغسطس 2019
الصورة
المجتمع "عاجز" عن تقبّل المرضى (خالد دسوقي/ فرانس برس)

ما حدث يوم الأربعاء الماضي للمواطن المصري أحمد السيد طه (47 عاماً) في مدينة كفر الزيات التابعة لمحافظة الغربية (100 كيلومتر إلى شمال القاهرة) لم يكن سابقة، فهو ليس أوّل المرضى الذين يُلقون في الشارع في مصر ويُحرمون من الاستشفاء بعد اكتشاف إصابتهم بالإيدز أو نقص المناعة البشرية المكتسب. الأمر تكرر مرّات ومرّات في محافظات مصرية مختلفة، ومُنع مئات من دخول المستشفيات الحكومية خوفاً من العدوى وانتشار المرض. لكنّ حالة طه لقيت اهتماماً، وأُنقذ من الإهمال، بعد نشر صور له على موقع "فيسبوك" للتواصل الاجتماعي تبيّن كيف كان عاملون في المستشفى يلقونه في خارجه. فعملية النشر تلك دفعت الأجهزة المسؤولة في الحكومة المصرية إلى التحرك وإجراء تحقيق عاجل حول ما حدث.

وأعادت تلك الواقعة معاناة أمثال طه إلى الواجهة مجدداً، فهؤلاء يعيشون أزمة كبرى في مجتمع ما زال غير قادر على تقبّلهم. ويعيش عشرات آلاف المصابين بفيروس نقص المناعة المكتسب في المنشآت العلاجية والمستشفيات الحكومية، لا سيّما مستشفيات الحميّات المتخصصة في علاج المرض، في عزلة نفسية واجتماعية، علماً أنّ ثمّة أشخاصاً من بينهم يقدمون على الانتحار لوضع حدّ لحياتهم البائسة. إلى هؤلاء، تكشف مصادر طبية مسؤولة أنّ ثمّة عدداً من المساجين مصابون بالمرض، غير أنّ مستشفيات الحميّات ترفض استقبالهم، الأمر الذي يؤدّي إلى وفاتهم.

تقول الدكتورة منى مينا، عضو مجلس النقابة العامة لأطباء مصر، لـ"العربي الجديد"، إنّ "طرد أيّ مريض مصاب بالإيدز يُعَدّ جريمة يعاقب عليها القانون، وليس من حق أيّ مستشفى طرد مريض بسبب نقص في الإمكانيات"، موضحة أنّ "من حق أيّ مواطن الحصول على عناية صحية من دون تمييز". تضيف أنّ "المصاب بالإيدز سواء أكانت إصابته ناجمة عن إدمانه المخدرات أو إقامته علاقات جنسية متعددة (غير محمية)، أو انتقلت العدوى إليه بسبب خطأ طبي، فإنّه لا ينبغي التعامل معه بسوء. قد يدفعه ذلك إلى كره الحياة والانتقام من نفسه، بالتالي لا بدّ من أن يتمّ التخفيف عنه بالعلاج". وتشير مينا إلى أنّ "التصرّف الأمثل في حالة طه، كان يقتضي احتجاز المريض في حجرة إلى حين نقله إلى مستشفى متخصص في علاج مثل تلك الحالة، وليس رميه وتركه في الشارع فيمثّل خطراً في نقل المرض".




وتتباين التقديرات المتعلقة بعدد المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية المكتسب في مصر، فيشير تقرير للأمم المتحدة إلى أكثر من 11 ألف حالة، فيما تقدّر وزارة الصحة المصرية عدد هؤلاء بنحو ثمانية آلاف و550 مصاباً، منهم 82 في المائة من الرجال و18 في المائة من النساء، أمّا أعمارهم فتتراوح بنسبة 75 في المائة ما بين 15 و50 عاماً. لكنّ مراكز وجمعيات متخصصة في مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية المكتسب تشير إلى تخطّي العدد 230 ألف حالة، وذلك بحسب ما يوضح أحد المطّلعين "نظراً إلى أنّ كلّ حالة مسجّلة تقابلها واقعياً نحو 20 حالة غير مسجلة". يُذكر أنّ محافظة القليوبية تحتلّ المركز الأول في نسبة الإصابات بالإيدز.

في السياق، يقول طبيب فضّل عدم الكشف عن هويته لـ"العربي الجديد"، إنّه "من حقّ الأطباء عدم استقبال أيّ حالة مرضية معدية مثل مرض الإيدز، في ظل قلة الإمكانيات الطبية في المستشفيات الحكومية واختفاء مستلزمات التحكّم في العدوى من واقيات ومطهّرات وغيرها، بالإضافة إلى نقص الإنفاق الحكومي على الخدمات الصحية"، موضحاً أنّ "نصيب المواطن من الإنفاق الصحي هو 150 جنيهاً مصرياً (نحو تسعة دولارات مصرية) فقط، وهو مبلغ لا يكفي لتقديم أدنى خدمة صحية مناسبة. بالتالي، من حقّ الأطباء الاهتمام بحالتهم الصحية وحالة الفريق الطبي كاملاً، لا سيّما أنّ الطبيب المصري يتقاضى شهرياً مبلغ 19 جنيهاً (نحو 1.10 دولار) فقط تحت مسمّى بدل العدوى".




يضيف الطبيب نفسه أنّ "الهوجة التي قامت بها الحكومة بعدما كشفت مواقع التواصل الاجتماعي عن الحالة (حالة طه) سوف تهدأ قريباً، أو ربما تكون قد هدأت بالفعل"، مشيراً إلى أنّ "أدوية الإيدز لا تتوفر في مستشفيات الحميات بالمحافظات المصرية، كذلك فإنّه من النادر الحصول عليها من خارج المستشفيات بالإضافة إلى كلفتها العالية. بالتالي، فإنّ المواطن المصري هو الضحية دائماً، وصحته مهدرة نتيجة ضعف الإنفاق الحكومي".

دلالات

تعليق: