"إهانة" الموظف العام في تونس...تشريع قانوني يحيل الضحية إلى متهم

29 يوليو 2018
الصورة
تعريف فضفاض لتهمة هضم الجانب (Getty)

انتهت مناوشة كلامية بسيطة في الحافلة رقم 16 على طريق الجديدة وطبربة، بين الثلاثيني التونسي أنيس المبروكي، ومراقب التذاكر، بتكبيله في سيارة الشرطة، بعد أن نال شتى أنواع الضرب، والأنكى تحويله من شاكٍ بعد اتهامه لأعوان الأمن بتعذيبه، إلى متهم في قضية هضم (إهانة) جانب موظف عمومي.

وينتظر المبروكي، الذي يعد ناشطا في دعم الحركات الاجتماعية، ومشاركا في أغلب الاحتجاجات في منطقته طبربة البعيدة عن العاصمة بـ 35 كيلومترا، مآل قضيتين في المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة، الأولى رقم 20373/2017، والثانية برقم 7471 رفعها ضده أعوان مركز أمن طبربة التابع لمحافظة منوبة، إثر اتهامه بهضم الجانب كما يقول، بعد أن مد "العربي الجديد" بصور إصاباته وشكواه من التعذيب الذي تعرّض له، مضيفا "وجهي معروف لدى عناصر الشرطة الذين سارعوا بالقبض والاعتداء عليّ، وكأنهم تلقوا هدية من السماء".

تحويل الشاكي إلى متهم

في ظل غياب الإحصائيات الرسمية، راسلت معدّة التحقيق وزارة الداخلية ثلاث مرات؛ الأولى في تاريخ 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، والثانية في 22 فبراير/شباط، والثالثة في 12 مايو/أيار الماضي، في محاولة منها للحصول على معطيات حول قضايا هضم الجانب، من دون الحصول على رد حتى تاريخ نشر التحقيق، في حين أكد الناطق الرسمي باسم وزارة العدل، سفيان المسيهلي، لـ"العربي الجديد"، عدم وجود إحصائيات لديهم، يمكن تصنيفها ضمن باب قضايا هضم الجانب؛ لأنها تُدرج ضمن قضايا الحق العام، غير أن المتحدث باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رمضان بن عمر، كشف عن توثيق قضايا 27 محالا بتهم هضم الجانب خلال رصد قضايا الحراك الاجتماعي لشهر إبريل/نيسان الماضي والتي أحيل بسببها 72 شخصا إلى العدالة. 

وتمحورت أغلب الحالات التي وثقها المنتدى حول نقاشات مع عناصر الأمن أثناء فض الاعتصامات، أو أثناء وجود هؤلاء المواطنين في اعتصامات بالقرب من محافظاتهم للمطالبة بحقوقهم كما أوضح بن عمر، ومن بين تلك الحالات، القضية رقم 2055 بابتدائية قفصة جنوب غربي تونس، والتي يخضع على خلفيتها 7 شبان موقوفين من أم العرائس جنوب شرقي تونس، إلى المحاكمة بتهم هضم الجانب، على خلفية احتجاجات البطالة والمطالبة بالتنمية في المدينة.



وعادة ما تنظر السلطات القضائية في الدعاوى التي يرفعها أعوان الأمن بشكل سريع، في حين تتباطأ في تلك التي يرفعها الضحايا، بحسب ما وثقته منظمة هيومن رايتس ووتش، في 4 دعاوى من بين 8 حالات هضم الجانب التي تابعتها، وعادة ما تستند القضايا المرفوعة ضدّ المتهمين أساسا، أو بشكل كامل فقط على محاضر أعوان الأمن، بحسب إفادة مديرة مكتب هيومن رايتس ووتش في تونس، آمنة القلالي، لـ"العربي الجديد"، وهو ما تؤيده المحامية المختصة في الدفاع عن المتهمين في قضايا هضم الجانب، والكاتبة العامة للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، سوسن السلامي، والتي رفعت ضدها قضية في مارس/آذار 2013، بعد أن أحيلت إلى قاضي التحقيق بالمكتب الرابع عشر في محكمة تونس الابتدائية، إثر اتهام موظف من النظام العدلي لها بإهانته وفق أحكام الفصل 126 من المجلة الجزائية الخاص بهضم جانب موظف من النظام العدلي، والذي يعاقب على تلك التهمة بالسجن لعامين، ولكن القضاء حكم بعدم سماع الدعوى (حفظها).


الفصل 125

يطبق الفصل 125 من المجلة الجزائية كثيرا في المحاكمات التي تهم نشطاء الحراك الاجتماعي، وفق ما أوضحه رمضان بن عمر، والذي يتهم بعض أعوان الأمن باستغلال هذا النص لتلفيق التهم في القضايا الاجتماعية والحقوقية وفي حالات التعبير عن الرأي، ولا يقتصر الأمر على ذلك كما يقول، مستدركا: "المواطن الذي يتعرض إلى تعسف إداري أو معنوي في مراكز الشرطة ويطالب بحقه، يكيّف الأمر على أنه هضم جانب، والإشكالية تكمن في عدم ارتقاء النص إلى مستوى الدستور التونسي الذي وُضع بعد الثورة، وهو من الفصول القانونية التي وجب تعديلها، وكذلك في ممارسة الضابطة العدلية التي لا تقبل احتجاج مواطن ومطالبته بحقه".

وينص الفصل 125 من المجلة الجزائية على أن "يعاقب بالسجن مدة عام وبخطية قدرها مائة وعشرون دينارا كل من يهضم جانب موظف عمومي، أو شبهه بالقول، أو الإشارة، أو التهديد، حال مباشرته وظيفته، أو بمناسبة مباشرتها".

ومن المفارقات، بحسب المحامية السلامي، والتي ترافعت في عشرات الملفات من قضايا هضم الجانب في المحاكم التونسية، أنّ الفرقة الأمنية التي يعمل فيها المتضرر عادة، هي نفسها التي تقوم بمباشرة الأبحاث وتدوين المحضر، متسائلة عن أي حياد نتحدّث؟ وعن أي قانون؟


إشكاليات النص

تصف المحامية السلامي الفصل القانوني رقم 125 بالكارثة، وبأنه صك على بياض يمنح الموظف العمومي امتيازات تشرع له الاعتداء على المواطنين وتكون بمثابة المنفَذ، ليكون الخصم والحكم في نفس الوقت، مشيرة إلى أن أغلب القضايا تكون فيها الأحكام نافذة بالسجن، وعوضا عن أن تكيف الجريمة على أساس قضية رأي، يتم اللجوء إلى جرائم الحق العام وهضم الجانب، ليجد المتهم نفسه، إما في السجن أو موقوفا، وهو ما يعكس إشكالية الفصل 125 القائم على عبارة هضم جانب موظف عمومي الفضفاضة، والقابلة لعديد القراءات، كما تقول آمنة القلالي. مضيفة "لم يتم تحديد القصد بالهضم هل هو السب؟ أو الإهانة؟ أو النقد أو الاحتجاج على سلوك معين أو الاعتداء الجسدي على الشرطة؟ وبالتالي تدخل عدة أعمال قد يكون بعضها لا علاقة له بالاعتداء اللفظي أو الجسدي في هضم الجانب، ما جعل هذه التهمة أداة لقمع المواطنين الذين يحتجون عن سلوك قوات الأمن، أو أولئك الذين يرفعون شكايات ضدهم أمام المحاكم بسبب سوء المعاملة والتعذيب، فيتحولون من ضحايا إلى متهمين، وبدلا من أن ينصف القضاء الشاكين، ويتم البحث في حقيقة الانتهاكات التي تعرّضوا لها، تتم محاكمتهم كمتهمين".

وبينما يدعو قانونيون وحقوقيون، من بينهم القلالي، إلى إلغاء الفصل 125 من قانون العقوبات، يرفض الناطق الرسمي باسم نقابة وحدات التدخل التابعة لوزارة الداخلية، مهدي الشاوش، تلك الدعوات، قائلا، في تصريح لـ"العربي الجديد"، "لا مجال لإلغاء الفصل 125، لأنه يحمي كرامة الأمنيين، خاصة أن الزي الذي يحمله الأمني يمنعه من رد الفعل، والتصرف كمواطن عادي، وإنما عليه الاحتكام إلى القانون، مشيرا إلى أنه في غياب هذا الفصل القانوني سيتم التشريع للاعتداء على أعوان الأمن، وبالتالي في غياب قانون يحميه سيدافع عن حقه بنفسه، وهذا مرفوض".

واستدرك الشاوش أن هذا لا ينفي عدم وجود تجاوزات من قبل عناصر الأمن، ولكنها لا تبرر الدعوات إلى إلغاء هذا الفصل، مبينا أنّ الأصح هو الدعوة إلى تعديله من أجل وسائل إثبات أقوى، واستعمال الوسائل التكنولوجية المتطورة، والاقتداء بتجارب مقارنة كالمغرب والجزائر، حيث يتم وضع كاميرا صغيرة غير مرئية في زي الأمني لتسجل كافة الوقائع التي قد تحصل.


معاناة الصحافيين والمحامين

عانى صحافيون ومحامون من الفصل 125، ومن بينهم الصحافي معز الجماعي، والذي يتذكر القضية التي اتُهم فيها بهضم جانب موظف عمومي (أعوان أمن) في محافظة قابس جنوب تونس، في 16 سبتمبر/أيلول 2016، ووثقتها هيومن رايتس، قائلا لـ"العربي الجديد"، "نزل أحد أعوان الأمن من سيارته وأمسك بيدي متسائلا عن سبب تحديقي به"، ليضيف قائلا "أعرف أنك تكره الشرطة، واقتادني إلى مركز الشرطة، وسألني عن سبب إهانة الشرطة، وعن تقرير نشرته في 10 أغسطس/آب 2015 عن التهريب، وهل شاهدت أعوان أمن يتلقون رشاوى؟".

وبينما أطلق سراح الصحافي الجماعي لاحقا، إلا أن المحامية الحقوقية مريم منوّر، الرئيسة المؤسسة للحزب التونسي، والتي رفعت عشرات الدعاوى للدفاع عن من تعرّضوا للتعذيب، غرّمتها، في نوفمبر الماضي، الدائرة الجناحية الأولى في المحكمة الابتدائية بتونس 2 بالسيجومي بمبلغ مائتي دينار (75 دولارا أميركيا)، بسبب اتهام فرد أمن لها بهضم الجانب، بعدما ذهبت مع ابنة أحد جرحى ثورة 2011 إلى مركز شرطة حي هلال، في ضواحي تونس العاصمة، في 8 أغسطس/آب 2012، لمساعدتها في تقديم طلب لوظيفة إدارية في قطاع الأمن، لكن عون الأمن أهان المرأة عند وصولهما، وعندما أعلمته أنها سترفع قضية ضدّه إلى مكتب النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية في تونس العاصمة، بسبب الإهانات، تعرّضت للضرب والتعنيف، وواجهت تهمة إهانة الشرطة، واستجوبها القاضي كمتهمة، وفي كل مرة كانت تؤجَل المحاكمة بعد حضورها 11 جلسة، لعدم حضور الشرطييْن المتهميْن بالاعتداء عليها.



وبالرغم من الحالات السابقة، فإن العقيد المتقاعد من الحرس الوطني، علي زرمدين، يرى أن المؤسسة الأمنية تغيرت بعد الثورة، مؤكدا وجود توصيات لأعوان الأمن تحثهم على احترام حقوق الإنسان والمواثيق الدولية، مثل عدم تعذيب الموقوفين، أو الاعتداء على حرمتهم الجسدية.

زرمدين، الذي عمل سابقا مديرا لمدرسة التدريب (مدرسة لتكوين الأمنيين) في بئر بورقية في محافظة نابل شمال شرق العاصمة في عام 2000، يؤكد أنه في أغلب برامج التكوين والتدريب الخاصة بقوات الأمن يتم تدريس الأعوان كيفية التعامل مع المتظاهرين وضبط النفس، خاصة عند التعدي عليهم من قبل مواطنين لفظيا، وكيفية الدفاع الشرعي عن النفس، خاصة في الاعتداءات الجسدية.