"إنسانية" السيسي

"إنسانية" السيسي

04 مارس 2019
الصورة
+ الخط -
"أنتم مش هاتعلمونا إنسانيتنا، فلدينا إنسانيتنا وأخلاقياتنا كما لديكم، وعليكم أن تحترموها كما نحترمها لديكم". هكذا خاطب الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، المسؤولين الأوروبيين الذين حضروا إلى شرم الشيخ، للمشاركة في القمة العربية الأوروبية. وجاء كلام السيسي  دفاعاً عن أحكام الإعدام التي نفّذتها السلطات المصرية بحق متهمين بقتل النائب العام المصري هشام بركات. يمكن التسليم مع الرئيس المصري بالسجال العالمي القائم بشأن تطبيق عقوبة الإعدام، والذي لم يحسم بعد، إذ إن دولاً كثيرة لا تزال تطبق هذه العقوبة. لكن ماذا عن الإعدام الجماعي الذي نُفذ بحق مجموعة من المتهمين بقتل شخص واحد، إضافة إلى أن آخرين ينتظرون تطبيق الحكم ذاته في القضية عينها. أي إنسانيةٍ أو أي قانونٍ يتحدث عنه السيسي، والذي يلقي مسؤولية قتل شخص على عاتق 15 شخصاً أعدموا إلى الآن، على دفعتين، في قضية هشام بركات، من دون أن تُنسى عملية التصفية التي تمت لمجموعة من المعارضين في إحدى الشقق في منطقة 6 أكتوبر، وحينها قيل إن هؤلاء أيضاً هم من نفذوا الاغتيال. 
إضافة إلى "إنسانية الإعدام"، بحسب ما يوحي كلام السيسي، لا بد من الإضاءة على "إنسانياتٍ" أخرى، يقوم بها النظام المصري بحق كل من يعارضه. ولعل التعذيب الموثّق بتقارير المنظمات الدولية هو واحد من تلك الممارسات التي "تختلف" فيها مصر عن غيرها من الدول العربية. ربما هو أيضاً "ثقافة" لا بد أن يحترمها الغرب، ويتوقف عن الحديث عنها. الأمر نفسه بالنسبة إلى الاعتقال السياسي، هو كذلك "ميزة" مصرية وعربية عامة، وأيضاً ضمن التقاليد التي لا يمكن الاستغناء عنها، بغض النظر عن الانتقادات الدولية التي برأي السيسي يجب أن تحترم الاختلاف.
وإذا تم تجاوز قضية الإعدامات والسجال حولها والاعتقالات والتعذيب، يمكن النظر إلى جوانب أخرى من "إنسانية" السيسي في التعاطي مع الشعب المصري، مرتبطة أكثر بالحياة اليومية لمواطنين عاديين، ليسوا طرفاً معارضاً، ولا هم من كارهي السيسي، بل ربما من محبيه ومريديه. ربما قضية حادث القطار في محطة مصر تكون مؤشّراً على كيفية التعاطي مع المصريين من النظام الحاكم. بداية من الفساد والإهمال المتوغل في مرافق الدولة، والتغاضي عن الحالة المتهالكة للقطارات، والتي لا تصلح لنقل المواشي، فما بالك بالبشر، وفقدانها الحد الأدنى من معايير السلامة العامة التي يمكن أن تطبق في وسائل النقل العامة في الدول الأوروبية التي يعايرها السيسي بالإنسانية والأخلاقيات. الأمر تجاوز هذا الأمر في التعاطي مع المصريين، وخصوصاً بعد قرار الدولة صرف تعويضات للقتلى والمصابين في حادث القطار. وبغض النظر عن فكرة التعويضات بحد ذاتها، والتي تضع لأرواح المواطنين ثمناً، إلا أنه حتى تعاطي النظام مع الفكرة يختلف بين مواطن محلي وآخر أجنبي، فقد حدّد مجلس الوزراء المصري 80 ألف جنيه (نحو 4500 دولار) لأسرة كل قتيل و25 ألف جنيه (نحو 1500 دولار) لكل مصاب، غير أن الأمر اختلف مع السياح المكسيكيين الذين قتلهم الجيش المصري في غارة في منطقة الواحات في عام 2016، إذ كان التعويض عن الشخص 140 ألف دولار، دفعته حينها غرفة شركات السياحة، بعدما حمّلتها الدولة المصرية مسؤولية الحادث.
الفرق بين التسعيرتين هو نفسُه بين "إنسانيتنا وأخلاقيتنا وأنسانيتكم وأخلاقيتكم"، فلكل "إنسانية" و"أخلاق" سعر مختلف. وهذا الفرق الشاسع بين التسعيرتين هو نفسه الفرق بين "الأخلاقيات والإنسانية" في مصر وتلك الموجودة في الدول الأوروبية.

دلالات