"إخوتي المزيّنون بالريش": شرايين مفتوحة هنا وهناك

29 مايو 2018
الصورة
(غرافيتي في بوينس آيرس)
+ الخط -

من التواطؤات الجميلة التي يُتيحُها الشِّعْرُ أحياناً أن يجعلك تتعرَّف إلى أشخاصٍ تقتسمُ معهم نفس المشاغل والاهتمامات، فيكشفون لك عن بعض الأسئلة التي تقلقهم فتجعلهم يكدُّون جاهدين لصياغتها في مشروع متكامل البناء، يضيفون إليه في كلِّ حين لبنة تقتربُ من دائرة الاكتمال، حتى إذا ما بدا أنه يشارفُ نهاياته انفتح على فضاءات أخرى أكثر عمقاً وأكثر تعقيداً، مجدِّداً ومعمِّقاً الأسئلة، وهو يعيد صياغتها في دوائر تتوالدُ ولا تنتهي.

مشروع قد يتقاطع في كثير من الجوانب مع الأسئلة والتأملات التي تشغلك، ذلك هو شأن الكاتبة والمترجمة الفلسطينية غدير أبو سنينة، فقد قدَّمتْ على مدى سنوات للقراء العرب عشرات الأصوات الشعرية اللاتينية المختارة بعناية بالغة من خلال ترجماتها المميزة، كما ترجمت إلى الإسبانية الكثير من شعراء اللغة العربية، كما كتبت عدداً من المقالات والتحقيقات حول الهجرة العربية إلى أميركا الجنوبية والوسطى، وعن مواضيع سياسية راهنة، واستعادت أصواتاً شعرية كبيرة ذات أصول عربية من سورية ولبنان وفلسطين، مثلما حاولت تقريب الفجوة بين القرّاء العرب وبين الثقافة والتاريخ والعادات والفنون والمعتقدات في العالم الأميركولاتيني.

كتاب "إخوتي المزينون بالريش" يندرج في هذا المشروع الكبير والمُتعدِّدِ الرَّوافد، فهو يقدَّمُ بشكلٍ ضمنيٍّ على أساسِ أنه ينتمي إلى الأدبِ الرّحْليِّ في صنف اليوميَّات، على اعتبار أن اليوميَّات تنويع ضمن الأدب السير-ذاتي، خاصة وأن الكتاب نال "جائزة ابن بطوطة" لليوميات عام 2017، فما الذي يثير القارئ في هذا الكتاب الذي يمتدُّ في 230 صفحة؟

ينقلنا الكتاب عبر فضاءاتٍ مختلفة في بعض بلدان أميركا اللاتينية، وعلى الأخص أميركا الوسطى، نجد فيه محكيات عن شخصيات عربية بسيطة كان لعبورها من القارة الجديدة جانب من الطرافة فرض على الكاتبة ألا تقف متجاهلة دلالات حكاياتها، مثل شخصية عبد الله أبوسرية والحكاية المؤثرة للفلسطيني راجح أبوشهاب وحكاية عقاب وغيرهم، ناهيك بحكايات شخصيات لاتينية ذات عمق تاريخي مثل ما حدث لهرنان كورتيس مع لامالينشه وموكتيسوما زعيم قبائل الأزتيك.

في تقديم لجنة جائزة "ابن بطوطة" نقرأ تلخيصاً لهذه التجربة: "يومياتٌ دُوِّنتْ في أميركا اللاتينية لكاتبة ومترجمة مهاجرة من فلسطين روت فيها مشاهدات وملاحظات وأخباراً من قلب تجربتها مع الناس، عاديين ومثقفين، باعة وتجاراً وكتاباً بعضهم من بيئة المهاجرين من أصولٍ شامية، وغيرهم من السكان الأصليين في نيكاراغوا حيث تقيم الكاتبة، وكذلك في كوبا وبورتوريكو والمكسيك وهندوراس وغواتيمالا والسلفادور وكوستاريكا حيث قيّض لها السفر والاحتكاك بالناس في تلك البلدان البعيدة...".

إن الكتاب بشكل عام يعطينا صورة مشرقة عن "الهندي الأحمر"، وينسف منذ البداية الصورة النمطية التي رسختها السينما الهوليوودية في أذهان الناس، فالعنوان لا يدع مجالاً للشك في ذلك، ثم ونحن أمام العتبة الأولى للكتاب، يصافحنا عنوان المقدمة التي وضعتها المؤلفة: "كلُّ ريشة هي لهبٌ من الحبِّ"، فالكتاب يختزن طاقة محبة كبيرة تجاه شعوب القارة الأصلية التي تعرّضت على مدى قرون للإبادة من طرف الرجل الأبيض.

ينطلق الكتاب إذاً من أحاسيس إنسانية بالحب، إنها "إينديوفيليا" واضحة لا تخطئها العين، إذ كلما استرسلنا في القراءة نحسُّ بأن المسار يمضي بنا مستقيماً نحو مقصده، بدءاً بنسف أسطورة الهندي إنجانجو "المجرم المتوحش والسارق" في رواية "توم سوير" لمارك توين، والتي شاهدت الكاتبة فصولها المقتبسة أثناء طفولتها في المسلسل الكرتوني. المعايشة اليومية والاحتكاك المستمر هما اللذان يكشفان بما لا يدع مجالاً للشك، الطيب من السيئ. إن المجازر البشعة التي اقترفها الرجل الأبيض للهيمنة على ثروات هذه القارة منذ الحملات الأولى، تارة باسم الدين وأخرى باسم الملك تؤكد أننا إزاء تاريخ دموي وجراح لا تزال إلى اليوم تنزف، شرايين مفتوحة بحسب تعبير إدواردو غاليانو الذي سخر غير ما مرة، من الاحتفال الذي يتبجح به الإسبان ذوو العقلية الاستعمارية تحت مسمى "يوم الهسبنة"، والذي يصادفُ اليوم الثاني عشر من تشرين الأول/ أكتوبر والذي أفردت له الكاتبة فصلاً من يومياتها، يوم أطلق عليه غاليانو "يوم الخزي"، يقول عنه في قصيدة ساخرة معنونة بـ: "يوم الاكتشاف (12 أكتوبر)": "في سنة 1492 اكتشف السُّكَّان الأصليون أنَّهم هنودٌ حُمْرٌ/ واكتشفوا أنهم يعيشون في أميركا/ واكتشفوا أنهم عراة/ واكتشفوا أن الخطيئة موجودة/ واكتشفوا أن الطاعة واجبة عليهم تجاه ملك وملكة من عالم آخر/ وإله من سماء أخرى/ وأن ذلك الإله قد خلق الخطيئة واللباس/ وأنه أمرَ أن يُحْرَقَ حيّاً كلُّ من يعبدُ الشَّمسَ/ والقمر والأرض والمطر الذي يبلِّلُها"؛ قمة التهكم من احتفالية الهسبنة التي تثيرها غدير أبو سنينة مستطلعة آراء بعض المثقفين والشعراء والساسة حولها، خصوصاً وأن موقف الدول اللاتينية منه فيه كثير من التحفظ والحرج.

تقول المؤلفة: "عام 1913 اقترح رئيس الوزراء الإسباني فاوستين رودريغس سان بيدرو، أن يتم الاحتفاء بذلك اليوم من كل عام، وقد كان له ذلك فعلاً ابتداء من عام 1914 وحتى أيامنا هذه...". في السلفادور يطلقون عليه "يوم العِرق" لأنهم يعتبرون أن ذلك كان إيذاناً بنشوء العرق الخلاسي المتولد من تمازج السكان الأصليين بالغزاة القادمين من أوروبا، وفي الأرجنتين هو "يوم احترام تنوّع الثقافات"، وفي فنزويلا هو "يوم المقاومة الهندية"، وهنا تطرح المؤلفة تساؤلها الإنكاري المشروع حول ما إذا كان كريستوبال كولون (كولومبوس) مكوناً أصيلاً من مكوناتِ الهويَّة اللاتينية.

أما بصدد أصول الهجرة العربية إلى أميركا اللاتينية، فتربطها بأسباب تاريخية مثل بحث الإنسان العربي عن عالم "أكثر جمالاً وعدلاً"، ثم الهروب من قمع الدولة العثمانية والظروف الصعبة أواخر القرن التاسع عشر، "ثم توالت المآسي باستعمار أوروبي جديد شمل معظم البلاد العربية"، وتنقل الكاتبة عدة حكايات ممتعة عن هذه الهجرات بتفاصيل حميمة، منفلتة ومشوقة تعطي للكتاب نكهته.

وبالإضافة إلى ذلك وكمترجمة للشعر ومهتمة بالأدب والفن، تفرد فصلاً للحديث عن الأغنية اللاتينية الملتزمة بقضايا شعوبها فتتحدث عن بعض أغاني الأرجنتينية ميرسيديس سوسا والشيلية فيوليتا بارا والمكسيكيين ليلا دونز وتشابيلا بارغاس وخوسيه خوسيه والنيكاراغويين لويس إينريكي وكارلوس ميخيا غودوي.

تختم أبو سنينة كتابها بملحق خاص بشعراء وكتاب أساسيين في المشهد اللاتيني ذوي أصول عربية من فلسطين وسورية ولبنان، وهم الشعراء: الكوستاريكي أوسفالدو ساوما ذو الأصول اللبنانية، والهندوراسي رولاندو قطان ذو الأصول الفلسطينية، والمكسيكي خايمي سابينيس ذو الأصول اللبنانية، والنيكاراغوية سعاد مرقص فريج ذات الأصول الفلسطينية، والكولومبي أنطونيو دوميط سيفيا ذو الأصول الشامية، والأرجنتينية فيفيان عبدالنور ذات الأصول السورية، والكاتبان الأرجنتيني إدواردو بشارة بركات ذو الأصول السورية، والكولومبي إدواردو بشارة نافراتيلوفا ذو الأصول اللبنانية، تقدمهم الكاتبة من خلال حوارات تغوص مستعيدة رحلة هجرة الأسلاف، مقدمة نماذج من إنتاجهم الأدبي، ملحق يبدو أنه كان بذرة أثمرت كتاباً آخر أفردته الكاتبة والمترجمة الفلسطينية لأنطولوجيا شملت عدداً من الشعراء الأميركيين اللاتينيين من أصول عربية، كتاب صدر لاحقاً في طبعة مغربية تحت عنوان: "لا أحد أرانا الطريق".

المساهمون