"إخوان" البحرين والتصنيف السعودي: وضع خاص

"إخوان" البحرين والتصنيف السعودي: وضع خاص

09 ابريل 2014
الصورة
من تجمّع موالٍ في جزيرة المحرق البحرينية (getty)
+ الخط -

صدق وزير الخارجية البحريني، الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة، حين قال إن لفرع "الإخوان المسلمين"، في مملكة البحرين، "وضعاً خاصاً"، لا يشبه أوضاع أقرانه في الخليج ومصر، وذلك بعد القرار السعودي بتصنيف الجماعة تنظيماً "إرهابياً".

بالفعل، للجماعة في البحرين تاريخ من الوئام والتحالف مع النظام الحاكم في مختلف الأزمات والمراحل، لذلك ربما بدا الارتباك البحريني واضحاً حيال تصنيف الرياض للجماعة. ارتباك ظهر في كلام وزير الخارجية أولاً، عندما أوضح أن بلاده "تتفهم السعودية" في إدراج جماعة "الاخوان" على قائمة الارهاب، مستدركاً أن هذا الوضع لا ينطبق على بلاده، لأنه "لا ينبغي التعامل مع التنظيم على أنه حركة عالمية، بل كجماعات متعددة في كل دولة على حدة".

وقد فُهمت تصريحات وزير الخارجية، للوهلة الأولى، على أنها اختلاف مع القرار السعودي، عندها سارع الى التغريد عبر "تويتر" مؤكّداً أن وسائل الإعلام "أوّلت وفسرت بشكل خاطئ" كلامه، وأن ما ذكره ويعنيه "واضح ولا يحتمل التأويل".

التصريحات المتتالية للوزير كان يمكن تلخيصها بعبارتين: السعودية حليف استراتيجي للبحرين، وبالتالي ما يعنيها يعنينا. وتنظيم "الإخوان" في البحرين، الممثل في جمعية "المنبر الإسلامي"، أيضاً حليف استراتيجي لا غنى عنه؛ التركيبة السياسية في المملكة تقول ذلك، في مختلف المراحل السياسية.

يرفض وزير الدولة للشؤون الخارجية في البحرين، غانم ابو العينين، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن يضيف إلى ما قاله وزير الخارجية أو يوضحه، مكتفياً بالقول إن الوزير خالد "أوضح هذا الالتباس". كذلك يرفض أن يحدّد موقف التيار السلفي، الذي يعتبر حليفاً للتيار الإخواني، والذي ينتمي إليه أبو العينين، والممثل بجمعية "الأصالة"، كاشفاً عن أنه استقال من الجمعية قبل عامين، بعد تعيينه وزيراً للشؤون الخارجية.

والبحرين كانت أول دولة خليجية اتخذ منها تنظيم "الإخوان المسلمين" منطلَقاً، حيث انتشر فكره في ثلاثينيات القرن الماضي، قبل أن يتمأسس بتشكيل جميعة "الإصلاح" الأهلية عام 1941، التي عُنيت بالعمل الخيري والإنساني. بعدها تأسست جمعية تحمل فكر "الإخوان" في الكويت، عام 1947. ويقول الباحث البحريني، رئيس "جمعية الشفافية"، عبدالنبي العكري، لـ"العربي الجديد"، إن الفكر الإخواني دخل الى المملكة مع مجموعة من الطلبة الذين درسوا في جامعات الأزهر المصرية، كما حمله إليها دعاة ومثقفون مصريون تواجدوا في الخليج (خصوصاً بعد ملاحقتهم من قبل الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر).

تشكّلت جمعية "الإصلاح" على يد الشيخ عبد الرحمن الجودر، الذي أكمل دراساته العليا في القاهرة، وهناك التقى الأب المؤسس للجماعة، حسن البنا. عاد الجودر الى بلاده بعدها، وعمل على نشر الفكر "الإخواني" من خلال تأسيس الجمعية، ثم أنشأ مكتبة المحرق، التي تحولت في ما بعد الى مكتبة الآداب. حملت الجمعية في البداية اسم "نادي الطلبة"، قبل أن تصبح "نادي الإصلاح" عام 1948، ثم "جمعية الإصلاح" في بداية الثمانينيات.

استطاع فكر "الإخوان" أن يتواءم مع المجتمع البحريني من خلال العمل الإنساني والفكري، وانتشر أفراده داخل الوزارات والمؤسسات الحكومية منذ الخميسنيات، وتبوأوا مراكز مهمة. كما كانوا في مختلف المراحل حلفاء أساسيين للنظام في مواجهة خصومه ومعارضيه في الداخل. وانتمى أفراد من الأسرة الحاكمة الى هذا التيار، في مقدّمتهم المؤسس الشيخ عيسى بن محمد آل خليفة، الذي يعتبر اليوم الزعيم الروحي لجمعية "المنبر الإسلامي". وسبق للرجل أن شغل منصب وزير العمل.

يقول عبد النبي العكري إن النظام في البحرين استعان بـ"الإخوان" لضرب خصومه في مختلف المراحل؛ في الخمسينيات استعان بهم لضرب الحركة الوطنية، وفي الستينيات كانوا رأس الحربة لمواجهة المدّ الناصري، ثم الشيوعي في السبعينيات. وفي الثمانينيات، وبعد الثورة الإسلامية في إيران، استُخدموا لمواجهة التيارات المتأثرة بتلك الثورة.

الانسجام بين الحكم والتيار الإخواني ظلّ متماسكاً مع انتفاضة البحرين في "١٤ فبراير" ٢٠١١، حيث كانوا قوة دعم أساسية الى جانب التيارات الإسلامية الأخرى التي توحّدت تحت راية "تجمع الفاتح"، الداعم لحكم آل خليفة. وعلى عكس التيارات التي تصدرت المشهد السياسي في دول الربيع العربي، في تونس واليمن وليبيا وسوريا ومصر، فإن التيار الإخواني وقف الى جانب الحكم في المنامة، وذلك يعود الى علاقاته التاريخية القائمة على التحالف والوفاق مع النظام، خلافاً لما هو حال التنظيمات الإخوانية في مختلف الدول العربية.

لكن يذكر للتيار في أحداث التسعينيات، أنه كان له موقف وسطي، إذ لم ينحز بشكل واضح للحكم، فدعا الى سرعة تنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية، نابذاً في الوقت نفسه أعمال العنف التي صاحبت الاحتجاجات في حينه.

ورغم انصراف الجماعة للعمل الخيري والتربوي، فقد حاولت دخول العمل السياسي في السبعينيات، وخاض الجودر انتخابات عام ١٩٧٣، لكنه لم يستطع الحصول على أكثر من ٧٣ صوتاً. وعام ٢٠٠٢، وفي ظل إصلاحات الملك الحالي حمد بن عيسى، التي سمحت بإنشاء الجمعيات السياسية، دخلت "الإصلاح" الى العمل السياسي تحت راية "المنبر الإسلامي".

وكان "الإخوان" في المملكة الصغيرة في صلب العمل على "الميثاق الوطني" عام ٢٠٠٢، الذي أصدره الملك في إطار المشروع الإصلاحي؛ بعدما كان الشيخ عيسى بن محمد آل خليفة من أبرز المشاركين الأربعين في صياغة الميثاق.

وتذكر جمعية "المنبر" في بيانها التأسيسي، أنها "جمعية سياسية بحرينية تأسست ليأخذ الصوت الإسلامي دوره بين المؤسسات السياسية في مملكة البحرين، مستندين إلى وضوح رؤيتنا وأهدافنا، والقيم المستمدة من التعاليم الإسلامية السمحاء، وقواعدنا الشعبية المناصرة، وكوادرنا السياسية والعلمية المؤهلة، وتاريخ أعضائنا الطويل في خدمة الوطن والمواطن، قاصدين رفعة الوطن وتقدمه وأمنه واستقراره".

شارك "الإخوان" بقوة في العمل السياسي بعد ذلك؛ دخلوا انتخابات ٢٠٠٢ متحالفين مع التيار السلفي ممثلاً بجمعية "الأصالة"، وحصدوا ٧ مقاعد من أصل ٤٠، أبرزهم صلاح علي، الوزير الحالي لحقوق الإنسان، وهي وزارة استحدثت منذ فترة، بعدما كانت تابعة لوزارة الخارجية، إضافة الى علي أحمد، والأمين العام الحالي للجمعية عبد اللطيف الشيخ. كذلك فعلوا في انتخابات ٢٠٠٦، حين حصدوا أيضاً سبعة مقاعد في مجلس النواب، بينهم الشيخ ناصر الفضالة.

لكن في الانتخابات الأخيرة التي قاطعتها أكبر جمعية سياسية معارضة، وهي "الوفاق الوطني الإسلامية"، وقع الشقاق بين التيارين السلفي والإخواني، وخاضا الانتخابات منفصلين، وهو ما ساهم في خسارتهما معاً.

وجماعة "الإخوان" ليست على علاقة طيبة مع السلطة فحسب، بل هي جزء منها، بدليل أن "إخوانيين" يتولون ثلاث وزارات اليوم، ممثلين بفاطمة البلوشي وهي وزيرة الدولة للشؤون الاجتماعية، وسبق أن تولت في ٢٠١١ ثلاث وزارات في حقيبة واحدة (الصحة وحقوق الإنسان والشؤون الاجتماعية)، وهناك أيضاً وزير الدولة للشؤون الخارجية، ووزير حقوق الإنسان صلاح علي.

وموقف التيار السلفي من القرار السعودي بتصنيف تنظيم "الإخوان" تنظيماً إرهابياً، يأتي منسجماً كل الانسجام مع ما قاله وزير الخارجية. يقول الشيخ عادل معاودة، وهو أول رئيس لجمعية "أصالة"، السلفية، التي تأسست في التسعينيات، لـ"العربي الجديد"، إن القرار "سعودي وهم أعلم بشؤونهم، ولا نعلم حقيقة أمورهم، ولديهم أجهزتهم"، مشدداً على أنه "مما لا شك فيه أن ما يهدّد السعودية، يهدّد الخليج كله".

وكرّر معاودة كلام الوزير من أن للبحرين خصوصيتها، وأن تنظيم "الإخوان" في المملكة، ممثلاً بـ"المنبر"، لم يشارك في أي عمل إرهابي، كما فعلت التنظيمات المماثلة في الدول الأخرى، بل على العكس، دعم الشرعية ووقف معها".

وعن وضع جماعة "المنبر" اليوم، وعما إذا كانوا ينتقلون بحرية الى السعودية، أم أنهم ممنوعون من ذلك، يجيب معاودة "لا اعلم إن كانوا حدّوا من تحركاتهم"، رغم أنّ مصادر بحرينية أخرى تشير لـ"العربي الجديد"، الى وجود تواصل بين السعودية و"إخوان البحرين". وفي هذا الموضوع، يصرّ معاودة على تمايز "إخوان" البحرين عن التنظيم الأم، رغم العلاقات المتبادلة بين الجهتين.

خصوصية العلاقة بين "إخوان" البحرين والحكم، في مختلف المراحل والأزمات في المملكة، وضعت النظام البحريني في مأزق، بعد القرار السعودي بتصنيف التنظيم كإرهابي، وهو ما يتفق معه الناشط الحقوقي عبد النبي العكري. ويرفض العكري التصنيف السياسي للارهاب، مشيراً الى أن الإرهابي هو من تثبت ممارسته الإرهاب، ولا يمكن تصنيف العقيدة أو الفكر السياسي بهذا الشكل. ويقرّ بأن للبحرين خصوصية في العلاقة بين النظام والتنظيم الذي يمثل "الإخوان" في المملكة، لكنه يلفت أيضاً الى تمايز وضع الإمارات عن السعودية أيضاً، حيث ينتمي وزير التربية الإماراتي (حميد محمد القطامي) الى الفكر الإخواني هناك.

لكن، في الامارات أيضاً هناك قائد شرطة دبي ضاحي خلفان، رأس حربة مقارعة جماعة "الإخوان المسلمين" والتحريض عليها، الذي يمضي معظم وقته على موقع "تويتر" مغرداً ضد الجماعة، ومتهماً اياها بالإرهاب، وداعياً الى "اجتثاث" فكرها والقضاء على أفرادها.

المساهمون