"إبراهيم" ولينا العبد: سلاسة وثائقي يبحث عن المحجوب

09 سبتمبر 2019
الصورة
العبد تبحث عن والدها في فلسطين (الملف الصحافي للفيلم)
استعادة تاريخ ملتبس بقصصٍ مخبّأة أو مجهولة، تمرينٌ على اشتغالٍ سينمائيّ يوثِّق رحلة التنقيب في التاريخ نفسه، لفهمٍ أو كشفٍ أو حصولٍ على سكينةٍ ذاتية. لينا العبد (1980) تنصرف إلى تاريخٍ عائليّ شخصيّ، فهي غير عارفةٍ والدها، "المستشهد" وهي صغيرة السنّ. لكن شغفها بمعرفته يدفعها إلى تلك الرحلة في الذاكرة والماضي والمخبّأ في زوايا مختلفة في لاوعي أو متخيّل أو إدراكٍ، عند أقارب له ومعارف وأصدقاء ورفاق سلاح. شغفٌ يبدأ من تساؤلٍ مبطّن: أهو استشهادٌ أم اغتيال؟ فالوالد، إبراهيم العبد، مناضل فلسطيني، ينتمي إلى "المجلس الثوري" (تنظيم أبو نضال)، الذي سيكون له (التنظيم) صيتٌ سيئ للغاية، في مراحل تاريخية مختلفة، من حضوره العنيف في البيئة الفلسطينية تحديدًا. أما الأب، فيختفي نهائياً ذات يوم من أيام عام 1987، تاركًا زوجة هي أم أبنائه وبناته الـ5، بينهنّ لينا المخرجة.

رحلة لينا العبد محصّنة منذ البداية: لا أحكام ولا تصفية حسابات ولا تبرئة ولا تقديس ولا سجال حول أفعالٍ ومسالك. الرغبة في التعرّف إلى الأب أقوى من هذا كلّه، وأهمّ. الحصول على إجابةٍ مطلوبٌ وضروري، فالمصالحة مع الذات، إزاء أسئلة معلّقة عن أبٍ وعلاقات ومسارات، جزءٌ حيوي من الرحلة، التي تتساوى فيها الجغرافيا بالوقائع والذاكرة، والتاريخ بالراهن والاجتماع العائلي والصداقات. والرحلة، التي تُنتج فيلماً وثائقياً بعنوان "إبراهيم إلى أجل غير مُسمّى" (إنتاج مشترك بين لبنان وفلسطين والدنمارك وقطر وسلوفينيا. المنتج: رامي نيحاوي. المشاركون في الإنتاج: كريستين بارفود ومهنّد يعقوبي وبويان ماستيلوفيتش. 2019)، تقود المخرجة الشابّة إلى منافي أهل وغربة أصدقاء ومعارف، وتمرّ (ولو قليلاً) في بعض الراهن السوري، المتمثّل بثورة مطحونةٍ بالعنف والقتل والدم.

لقاءات عديدة تُجريها لينا العبد أمام كاميرا رامي نيحاوي (المُشارك في التوليف مع نبيل محشي، وفي كتابة السيناريو مع المخرجة، علماً أنّ العبد ومايا بندك مشاركتان في التصوير أيضاً) تكشف، بسلاسة حضور وعفوية كلام منبثقٍ من معرفة بتفاصيل أو برغبة المخرجة ومسار رحلتها الذاتية، أشياء كثيرة تعكس انفعالات في العائليّ والسياسي والنضاليّ. فلسطين حاضرةٌ، فالأب مناضلٌ يُجمع رفاقٌ له على التزامه العميق، أخلاقيًا وسياسيًا وإنسانيًا ونضاليًا، بالعمل الميداني من أجل بلدٍ وشعب وقضية، رغم أنّه منتم إلى تنظيمٍ يتحوّل، تدريجيًا، إلى حالة نافرة في المشهد النضالي الفلسطيني حينها. إجماعٌ يقول حقائق، ويرسم صورة تتناقض (أو تتكامل) وإحساس زوجة وأبناء وبناتٍ، فلكلّ معنيّ بإبراهيم العبد نظرة وحسّ وتراكمات، تتشرّبها لينا العبد رفقة الكاميرا السينمائية، كي تصنع منها حكاية، ربما لن تكون مكتملة، لكنها تُنتج فيلمًا وثائقيًا شفّافًا وصادقًا وحيويًا ومؤثّرًا من دون انفعال أو ادّعاء أو تصنّع. فـ"إبراهيم إلى أجل غير مُسمّى" (75 دقيقة) يعكس بعض ما يعتمل في نفوس وأفكار وتأمّلات واستعادات، ويؤرِّخ بعض ذاكرة ومحطات ومسائل، يتداخل فيها العائليّ بالسياسيّ، ويطرح أسئلة أخلاقية عن العلاقة بالحبّ والزواج والعائلة والبلد والوطن والعمل الميداني، وبنبذ الفساد ومواجهة التجاوزات.

تمسّ لينا العبد، في فيلمها الوثائقي هذا ـ المُشارك في مسابقة الأفلام الوثائقية في الدورة الـ44 (5 ـ 15 سبتمبر/ أيلول 2019) لـ"مهرجان تورنتو السينمائي الدولي" (يُعرض أيام 11 و13 و14/ 9) ـ محرّمات تمنع بلوغ حدّ أدنى من راحةٍ مشتهاة، تتمثّل (الراحة) بالمعرفة، وإنْ تبقى مسائل عديدة غير واضحة أو غير معلومة كلّيًا. والمعرفة غير كاملة مع العبد، فالإجابة الحاسمة غير موجودة، والتباس مراحل وتفاصيل أقوى من أنْ تنجلي مضامين المطلوب معرفته. قول هذا لن يحول دون متعة المُشاهدة، رغم قسوة الرحلة وتفاصيلها، ولن يمنع مهتمًّا ومعنيًا من مرافقة لينا العبد في حقول الألغام التي تحيط بها، فالمحرّم متمثّل بمنع إزالة الأقنعة، كأنّ الذي "فات مات"، وهذا أخطر من أي شيء آخر. فالذي "فات" لن يموت قبل انكشاف ملامحه أو بعضها على الأقل، وقبل تبيان المخبّأ فيه أو بعضه على الأقلّ.

في الرحلة، السينمائية والجغرافية والإنسانية والذاتية، يتداخل الحميميّ بالعام، وهذا طبيعي فالابنة تبحث عن والدها، وترغب في فهم حكايته، وتنشد معرفة تتعلّق بسيرته ونهايتها. تبحث أيضًا عن صورة له وملامح وحضور. هي غير معنيّة بما هو خارج الحميميّ في علاقتها بأبٍ يغيب منذ طفولتها، بداعي العمل أولًا، ثم بالموت الملتبس سببه.

والحميميّ منبثق من بوحٍ تقول به والدة لينا وإخوتها المقيمون في منافي الغربة والهجرة، فالفلسطيني باحث دائم عن مكانٍ، ومقتل الأب (استشهادًا أو اغتيالًا) دافعٌ للعائلة إلى منافٍ واغترابات، بدءًا من بيروت ودمشق. واللعبة السينمائية تُوازن بين الحميميّ والتاريخي والواقعيّ، وتضع المعنيين جميعهم أمام مرايا ذاتٍ وروحٍ وماضٍ.

البناء الفيلمي لـ"إبراهيم إلى أجل غير مُسمّى" بسيط وسلس: لقاءات مع أهل وأصدقاء ومعارف تتتالى، وكلام كثير يُقال، وتساؤلات عديدة تُطرح، وإجابات تبدو كأنها ليست إجابات، وأقوال تُفنِّد أقوالًا تحتاج إلى أقوالٍ تُفنّدها، أو تُكملها. الجغرافيا واسعة، فمن بيروت ودمشق، تنطلق الرحلة إلى مدن عربية وأوروبية (عمّان وبرلين والقاهرة)، بحثًا عن إجابات، لعلّ بعضها موجود في فلسطين، ففلسطين بداية الحكاية وجوهر النصّ وأساس الرحلة ونواة التساؤلات. بساطة السرد وسلاسته أعمق من أنْ تبقيا مجرّد بساطة وسلاسة عاديتين: فحكاية كتلك تتطلّب هدوءًا وصلابة وحصانة، تبدو لينا العبد، في لقاءاتها مع أهلٍ وأصدقاء ومعارف وأقارب، متمكّنة منها كلّها. وحساسية الفعل الأساسي (استشهاد أو اغتيال) دافعٌ لها إلى اعتماد شكلٍ يمنح مُشاهده إمكانية الانصراف إلى الخفايا التي يُراد لها أن تظهر، وإلى المبطّن الذي يجب أن ينكشف. تتالى اللقاءات، ويكثر البوح، وهذا الأخير مفتوح على المحيط بالحكاية الأصلية، كما على معنى فلسطين والنضال من أجلها والموت فداء لها، وهذه حاضرة في تساؤلاتٍ، لعلّ الإجابات عنها أثبت وأوضح من أي شيء آخر.

فيلم لينا العبد منتمٍ إلى نوع وثائقي يتوغّل في سِير أهل وذاكرة وراهن، ليقول بعض المطلوب ترميمه في علاقة عائلية، وأيضًا في ماضٍ جماعي.