"أيامنا الحلوة"

02 يوليو 2020
الصورة
البحر ملجأ للبعض (جوزيف عيد/ فرانس برس)

لا شيء يدعو إلى التفاؤل في لبنان. لا أقولها دوناً عن بقية البشر. مثلي مثل غالبية اللبنانيّين. نستيقظ ونذهب إلى المتجر، حتّى لو لم نكن نرغب في شراء "الأغراض". هي مهمّتنا الجديدة في رصد أسعار السلع، والبحث عن بدائل. أهرب اليوم من كل ما يُكتب على وسائل التواصل الاجتماعي. كأنّ شيئاً لا يعنيني. أعيش داخل فقاعةٍ تتضمّن كل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية من دون أن أكون داخلها. كأنّ ما يجري حُلم لا تفسير له. أستيقظ فأنساه. وأُشاهد كلّ شيء كـ "متفرّج". 

أراقب الانهيار ينمو شيئاً فشيئاً. نُراقب الانهيار ونُدرِك أنّ شيئاً لن يتغيّر، مهما صرخنا وتظاهرنا. كأنّ أصواتنا تذهب في الاتجاه الخاطئ، تضلّ طريقها ولا تعود. الجميع يتحدّث عن الانهيار، حتّى الموسيقى في الحانات تعلو كلّما زاد الحديث عن انهيارنا... لم نعد نسمعه (الانهيار). يتحوّل إلى همسات بيننا ثم يختفي ليعود في اليوم التالي. ربّما يتكاثر في الضوء، حين يفتح الصرّافون أبواب محالهم، وحين يكون الناس أكثر قدرة على الكلام.
نهاراً لن يصمتوا. سيتشارك الناس الحديث عن الغلاء. يشكون ويشكون، كما يتحدثون عن العلاقات العاطفية الفاشلة، تلك التي تبدأ وتنتهي من دون أسباب واضحة. وهل يجب أن تكون الأشياء واضحة أصلاً؟ يتطوّر الانهيار بسلاسة. اليوم شيء وغداً شيء آخر. لم نعد نلهث خلفه. نصير جزءاً منه، وكأنّنا نتطوّر بسلاسة مثله تماماً. لن يحدث شيء غداً أو بعد غد. إنّه الانهيار، ولا داعي لأي عناوين فرعية. العنوان جاذب ومؤثّر بما فيه الكفاية. هل هو انهيار فقط، كأن نقول إن جدران البيت تهدّمت؟ أو إنه انهيار عصبيّ، أي تلك الحالة النفسية المرضية التي تصيب الإنسان وتجعله فاقد الإرادة أو في حالة غليان عصبي أو حزن أو اكتئاب؟

يُقال إن البلد منهار وحزين ومكتئب. ونقول إننا مكتئبون. وهذا الشعور يزيد من رغبتنا في العيش. نريد تحقيق أي شيء قبل انهيار أكثر صعوبة. كأننا نعيش أيامنا الأخيرة. نعيشها بسعادة كبيرة. لا وقت لدينا لنضيّعه بعد الآن. لا وقت إلّا لأنفسنا.

نريد أن تعلو الموسيقى فوق كل أصوات الانهيار. نريد أن نتخلّى عن الخوف في أيامنا الأخيرة، قبل أن نسقط أرضاً في مشهد جماعي، باستثناء قلّة... حال أولئك الذين يراكمون الثروات خلال الحروب.

نعيش في الوقت الضائع. نتقبّل الأمر أحياناً، ثمّ نغضب وقد ظلمنا البلد، وظلمنا أنفسنا في البلد. نغضب لأننا حلمنا بتفاصيل بسيطة اعتقدنا أنها سهلة التحقيق. لكن لا بأس. سنعيش قبل فوات الأوان. هنا، أكثر ما تعلّمناه هو ضرورة العيش، لأن الغد بعيد.