"أوبك" والخيارات الصعبة: انقسام سياسي ومخاوف من انهيار أسعار النفط

20 يونيو 2018
الصورة
وزير نفط إيران بيجن زنغنه في اجتماع لأوبك (Getty)
+ الخط -

من المتوقع أن تواجه منظمة البلدان المصدرة للبترول "أوبك" والمنتجون خارجها وعلى رأسهم روسيا، اجتماعاً صعباً يوم الجمعة القادم في مقر المنظمة بالعاصمة النمساوية فيينا، حيث يعقد الاجتماع وسط خلاف سياسي حاد بين كل من السعودية والإمارات العربية المتحدة وروسيا، الدول التي تقود مقترح زيادة الإنتاج بناء على الطلب الأميركي، وبين كل من إيران وفنزويلا والعراق التي تعارض بشدة أية زيادة في الإنتاج، أو أية تعديلات في الاتفاق القائم حالياً بين المنتجين داخل "أوبك" وخارجها.

ويرى محللون أن هذا الخلاف يهدد بقاء تماسك المنظمة نفسها، كما يهدد كذلك بانهيار دورة الانتعاش المؤقتة التي شهدتها أسعار النفط بفضل اتفاق خفض الإنتاج بحوالى 1.8 مليون برميل يومياً والتي ساهمت في رفع الأسعار إلى مستوى 80 دولاراً لأول مرة منذ انهيار الأسعار في العام 2015. 

وكانت منظمة "أوبك" ومجموعة من المنتجين المستقلين من بينهم روسيا، قد قرروا خفض إمدادات النفط لدعم الأسعار في بداية العام 2017. وفي أعقاب الاتفاق حدثت زيادة كبيرة في أسعار الخام من أقل من 30 دولارا للبرميل عام 2016، إلى فوق 80 دولاراً خلال شهر إبريل/ نيسان الماضي.

وإضافة إلى هذا الخلاف السياسي داخل المنظمة، تواجه أسعار النفط احتمال تداعيات النزاع التجاري بين الصين وأميركا على السوق النفطية، وهو النزاع الذي أشعله الرئيس دونالد ترامب بإعلانه نية فرض رسوم جديدة نسبتها 10% على سلع صينية قيمتها 200 مليار دولار، وهو إجراء من المتوقع أن يؤثر على النمو الاقتصادي العالمي، وبالتالي على الطلب العالمي من النفط الذي تتوقع له وكالة الطاقة الدولية أن يتجاوز 100 مليون برميل يومياً عام 2019.

بناء على هذه العوامل المتداخلة، قال محللون في شركة "جي بي سي إنيرجي" في فيينا، لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية "نظرا إلى الخلاف السياسي الكبير داخل المنظمة سيكون من الصعب التوصل إلى اتفاق في الاجتماع المقبل".

وحسب معطيات هبوط الأسعار وعدم وجود فائض إنتاجي للعديد من دول أوبك، يرى محللون أنه لا أحد بين أعضاء المنظمة يجد نفسه في وضع يتيح له الاستفادة من زيادة الإنتاج، عدا السعودية والإمارات وربما روسيا التي تستهدف زيادة تعاقداتها مع السوق الصيني على حساب الدول العربية النفطية.

وبالتالي، فإن مخاوف انهيار أسعار النفط ستسيطر على الإجتماع وسيكون من الصعب إقناع الأعضاء بجدوى زيادة الإنتاج في وقت تواصل فيه الأسعار الهبوط، حسب العديد من المحللين الذين اطلعت "العربي الجديد" على آرائهم في "فايننشال تايمز".

ويلاحظ أن الدول النفطية التي شهدت ظروفاً اقتصادية مأساوية خلال السنوات الماضية، لا تجد مصلحة في الانجرار وراء القرار السعودي بزيادة الإنتاج، لأنها ببساطة ستكون متضررة منه. وحسب تعليقات سبق أن نشرتها وكالة بلومبيرغ، فإن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب طلبت من السعودية زيادة الإنتاج بحوالى مليون برميل يومياً.

بناء على هذه المعادلات السالبة، هبطت أسعار النفط في لندن نحو 1% أمس الثلاثاء، وسجل برنت 74.69 دولارا في الجلسات الصباحية في لندن، منخفضاً 65 سنتاً بما يعادل 0.9% عن أحدث إغلاق. وسجل خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 65.24 دولارا بانخفاض 61 سنتاً أو 0.9% هو الآخر.

لكن الأسعار عكست اتجاهها صباح اليوم الأربعاء، فارتفعت مدعومة بانخفاض بفقد سعة تخزين في ليبيا، وانخفاض مخزونات الخام الأميركية 3 ملايين برميل إلى 430.6 مليون برميل على مدى الأسبوع المنتهي في 15 يونيو/ حزيران وفقا للتقرير الأسبوعي لمعهد البترول الأميركي الثلاثاء.

وفي الساعة 06:53 بتوقيت غرينتش اليوم، كانت العقود الآجلة لخام برنت مرتفعة 40 سنتا بما يعادل 0.5% إلى 75.48 دولار مقارنة مع سعر إغلاق الثلاثاء. كما وزادت عقود الخام الأميريكي غرب تكساس الوسيط 36 سنتا أو 0.6% لتسجل 65.43 دولارا.

وحسب رويترز، يتابع تجار النفط عن كثب تداعيات الطلب النفطي بعد تهديد الصين بالرد على الرسوم الأميركية بفرض رسوم 25% على واردات النفط الخام الأميركي والتي تسجل ارتفاعاً مستمراً منذ 2017.

على صعيد الخلاف السياسي، قال مندوب إيران في منظمة "أوبك" حسين كاظمبور أردبيلي، في مقابلة مع وكالة بلومبيرغ، يوم الإثنين، إن إيران والعراق وفنزويلا ستستخدم حق النقض ضد أي اقتراح لزيادة إنتاج النفط في إطار اتفاق "أوبك والمنتجين خارجها". وأضاف أردبيلي "تستلزم زيادة الإنتاج قراراً بالإجماع، وهناك ثلاث دول من مؤسسي أوبك لن تسمح بذلك. وإيران، وحسب علمي، العراق وفنزويلا، سيعارضون زيادة إنتاج النفط في إطار أوبك، ومتأكد أن أعضاء آخرين سيتفقون معنا في الرأي".

وتابع بالقول إن "السعودية وروسيا لن تستطيعا اتخاذ قرار منفرد في هذا الشأن، إذا أرادا العمل بمفردهما، فهذا يعد انتهاكاً لاتفاق التعاون".

وذكر المندوب الإيراني أنه "لا يوجد نقص في السوق ويجب أن تلتزم أوبك بقرارها حتى نهاية العام"، وقال أيضاً: لم تحدث أي تغييرات كبيرة في سوق النفط، وإدارة معلومات الطاقة التابعة لوزارة الطاقة الأميركية ووكالة الطاقة الدولية قد تعجلتا في استنتاجاتهما حول حالة السوق".

وزير النفط الإيراني بيجن زنغنه نقلت عنه وكالة شانا اليوم الأربعاء، أن حل موضوع زيادة سعر النفط يجب أن يكون سياسيا نظراً إلى أن السبب الأساسي سياسي، معتبراً أن المسؤولية الحقيقة عن ارتفاع سعر النفط الحالي تقع على الرئيس الأميركي دونالد ترامب الراغب برفع سعر النفط دعماً لشركات النفط الصخري الأميركي.

وعلى الصعيد الروسي، حسب مصادر مطلعة، فإن ما يهم موسكو في الوقت الحالي إحكام هيمنتها على قرار سوق الطاقة العالمي عبر إضعاف "أوبك" أو على الأقل التأثير على قرارها.

وفي مقابل الموافقة على قرار زيادة الإنتاج، فإن الرئيس فلاديمير بوتين يعطي إشارة خضراء للرئيس ترامب بأننا متوافقون معك ولسنا ضدك ضمن صفقة التسويات الضخمة الجارية في مناطق النزاع الساخن.

أما على صعيد النزاع التجاري بين بكين وواشنطن، فيتوقع مستثمرون أن يؤثر النزاع على أسهم شركات النفط الأميركية، التي تشكل ثقلاً كبيراً في سوق "وول ستريت" المالي، وهو ما دفع أسهم "إكسون موبيل" و"شيفرون" للتراجع بين 1% و2% منذ يوم الجمعة.

وقال رئيس التداول لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ لدى شركة أواندا للوساطة في العقود الآجلة بسنغافورة، ستيفن إنز "يشكل هذا التصعيد في الحرب التجارية مخاطر على أسعار النفط… دعونا نأمل أن يسود التعقل، لكنني لست متفائلاً بشدة".

ويأتي النزاع بين الولايات المتحدة والصين في وقت بالغ الأهمية لأسواق النفط. ولا يستبعد محللون حدوث انتكاسة في النمو الاقتصادي الأوروبي والصيني في حال استمرار الخلاف التجاري الذي يصب عليه ترامب النار بين الفينة والأخرى، ضمن تكتيك مربك للشركات العالمية وحتى الأميركية.

وكانت الصين قد هددت يوم الجمعة بخفض وارداتها من النفط الأميركي. ويرى محللون أن من شأن هبوط محتمل في صادرات النفط الأميركية إلى الصين أن يعود بالفائدة على منتجين آخرين، وبصفة خاصة روسيا وأعضاء في أوبك.

ولا يستبعد محللون أن تستبدل الصين واردات النفط الأميركية بالشحنات النفطية الإيرانية، خصوصا أن إيران التي تواجه حظراً اقتصادياً أميركياً، جاهزة لمنح الشركات الصينية أكبر تخفيضات ممكنة للحفاظ على مستوى الصادرات النفطية لدى مستوياتها الحالية، والحصول على ثمن مبيعاتها باليوان الذهبي في بورصة شنغهاي الجديدة بعيداً عن العقوبات الأميركية. وذلك ببساطة لأن الصين لا تخضع للحظر الأميركي.

في هذا الصدد، قال جون دريسكول مدير "جيه.تي.دي" الاستشارية لخدمات الطاقة لوكالة سبوتنيك الروسية "ربما يستبدل الصينيون بعضاً من النفط الأميركي بالخام الإيراني".

ويذكر ان صادرات النفط الأميركي إلى الصين شهدت قفزة كبيرة خلال العام الحالي، حيث بلغت قيمة الشحنات الأميركية من النفط المصدرة للولايات المتحدة مليار دولار شهرياً مقارنة بمائة مليون دولار خلال العام الماضي. وذلك وفقاً لأرقام وزارة التجارة الأميركية.

وإضافة إلى العوامل السياسية التي تهدد "أوبك" بالتفتت خلال الاجتماع المقبل، هنالك النفط الصخري الذي يواصل أخذ حصص متزايدة من أسواق أوروبا وآسيا. وفي هذا الصدد، توقعت إدارة معلومات الطاقة في وزارة الطاقة الأميركية، أمس الثلاثاء، زيادة إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة الأميركية، في يوليو/ تموز المقبل، بنسبة 141 ألف برميل في اليوم بالمقارنة مع يونيو/ حزيران الجاري.

وتبلغ تقديرات الإنتاج في الوقت الحالي ليونيو، 7.198 ملايين برميل في اليوم. وكانت الإدارة قد توقعت في أيار/مايو، أن يزداد إنتاج النفط الصخري في الحقول الأميركية الرئيسية في الشهر الجاري بمقدار 144 ألف برميل في اليوم، ليصل إلى 7.178 ملايين برميل.

المساهمون