"أنا لا أخلع صاحبي"

18 يوليو 2020
الصورة

(وليد المصري)

في قضيةٍ أثيرت أخيرا في مصر، وشغلت الوسط الثقافي المصري والعربي الحاضر على "السوشال ميديا"، باعتبار أن طرفي القضية ينتميان إلى الوسط الثقافي، اتهمت شاعرة شابة ناشرا كبيرا ومعروفا جدا ناشطا ثقافيا وسياسيا، وواحدا من رموز الثقافة ورموز ثورة يناير في مصر، بالتحرّش بها قبل حوالي عام ونصف العام، عندما كانت في زيارة له إلى مكتبه، كعادة غالبية مثقفي مصر، وزائرين لها من العرب! وفي قضايا التحرّش في بلادنا إشكالات عديدة، حيث يكاد يكون عاما، وحيث من النادر أن أنثى نجت منه، وهو ما يجعل المتهم بالتحرّش مدانا مباشرة، من دون انتظار أدلة أو إثباتات. الدليل الوحيد غالبا هو كلام الضحية ذاته، وغالبا ما يتم أخذ كلامها بوصفه حقيقة، بسبب التاريخ الطويل للنساء في التعرّض للتحرّش والاغتصاب والعنف الجنسي بكل أنواعه. 

مما لفتني في الضجّة المثارة بشأن القضية اتهام بعضهم أصدقاء الناشر الحميمين، ممن وقفوا إلى جانبه، ودافعوا عنه بشراسةٍ في وجه الاتهامات التي طاولته، أن حماسهم له ولبراءته وقوف ضد الحق والحقيقة، وموقفٌ لا أخلاقي، وفيه تمييع لقضايا النضال النسوي ضد التحرّش، مطالبينهم بمقاطعته بوصفه متحرّشا، أو بالصمت والتجاهل! ومعتبرين أن كل من نفى إمكانية أن يقوم الناشر بهذا الفعل، أو دافع عنه معدّدا مناقبه، هو بالضرورة متحرّش مثله إن كان ذكرا، أو صاحبة مصلحة إن كانت المدافعة امرأة.

وبغض النظر عما تحمله قضايا كهذه من تصفية حساباتٍ شخصيةٍ وعامة، مع أطراف القضية وضدها، حين تثار علنا، فإن الالتباس في التعليقات المثارة ضد أصدقاء المتهم أدهشني فعلا، وجعلني أفكّر بمعنى الصداقة، وكيف نفهمها وكيف نتعامل مع أصدقائنا، وما هي القضايا التي يمكن أن نتخلّى عن أصدقائنا لأجلها، وكيف أساسا يمكننا المحافظة على صداقاتٍ طويلةٍ وعميقة تصمد، على الرغم من تعرّضها لاختباراتٍ كثيرة! 

"أما أنا فلا أخلع صاحبي/ عاشرته وعرفته وخبرته/ ولذا لا أخلع صاحبي". ربما يعبر هذا المقطع الشعري لمظفر النواب، عما أفهمه فعليا من معنى الصداقة، فأنا أراها انحيازا كاملا للصديق من دون تردد أو تلكؤ. لا تحتمل الصداقة حالة الوسطية، أن تكون صديقا لأحد يعني أن تقف معه في كل حالاته، أن تقبله كما هو، وأن تقبل أخطاءه، وأن تدافع عنها، خصوصا في الأزمات والمحن والأمور المصيرية! أن تتخلّى عن صديقٍ في أزمةٍ ما بذريعة أنك لم تكن تعرف أخطاءه هو كما يقال العذر القاتل. أن تكون صديقا لأحد يعني أن تسانده حتى النهاية في الأزمات الصعبة، نحن نحتاج أصدقاءنا في حالات الفرح حتما، نحب أن نتشارك معهم لحظات سعادتنا، لكننا أكثر احتياجا لهم في لحظات ضعفنا، حين نسقط في فخّ ما، كالمرض أو العجز أو الحاجة أو الفضيحة أو الاتهام أو قضية قانونية... لا شيء يبرّر تخلّي الأصدقاء عنا في حالاتٍ كهذه سوى أن من ظنناهم أصدقاء لم يكونوا كذلك؟! 

قد يقول أحد إن ثمة قضايا أخلاقية، الوقوف مع المتهم فيها مضرٌّ بالسمعة الشخصية وبالشأن العام المتعلق بالقضية، كقضية التحرّش مثلا. نعم، ربما سوف يدفع الصديق من سمعته ثمنا لانحيازه لأصدقائه، في زمن "السوشال ميديا" الشبيه بالصحافة الصفراء، حيث التعرّض للبشر سهل ومتاح، ولا أحد يعاقب عليه. ولكن من قال إن ليس لخيارات الحياة أثمان باهظة؟ قد يكون الأصدقاء الخيار الوحيد في حياتنا المبني على تكامل العقل والعاطفة. نحن لا نختارهم إلا بناءً على معطياتٍ مهمةٍ تجعلنا نضمن أننا سند لهم وهم سند لنا. العائلة أمرٌ آخر، والحب أيضا أمرٌ آخر، للعقل فيه نصيب أقل. علاقتنا بالمعارف تحتمل هذا التخلي، فهي غالبا قائمة على المصادفة أو على المصلحة المؤقتة والدائمة، لا على معطى إنساني وأخلاقي قيمي مهم، كما هي الصداقة!

هل أخطأ أصدقاء الناشر المتهم بمساندته والدفاع عنه؟ قطعا لا. ولو كان صديقي لدافعت عنه بشراسة وقوة، ولا أقبل أساسا من أصدقائي نصف الموقف بما يخصني في أزماتي ومعاركي. ولا يليق بي كصديقة أن أقف نصف موقف تجاه ما يتعرّض له أصدقائي. ليس لأنني أعلي من شأن الصداقة أعلى من القضايا الأخلاقية العامة، ولكن لأن أي نقاشٍ مع صديقٍ متهم يمكن تأجيله حتى اكتشاف الحقيقة. عندها يمكن الاعتذار عن الصداقة فيما لو كان الاتهام حقيقيا ولا يتناسب مع معاييري الأخلاقية، لكن التخلّي في وقت الأزمة هو دليل على شخصية جبانة، تتناسب مع حال الصحافة الصفراء على وسائل التواصل.