"أحداث مكتب الإرشاد": من قضية هزلية لأداة تنكيل

13 يوليو 2020
الصورة
الحكم الأخير بالمؤبد هو الرابع على محمد بديع (الأناضول)

حمل حكم محكمة النقض المصرية الصادر الخميس الماضي بتأييد السجن المؤبد لكل من مرشد جماعة الإخوان المسلمين محمد بديع، ونائبيه خيرت الشاطر ورشاد البيومي، والأعضاء في الجماعة محمود أبوزيد ومصطفى عبد العظيم وعبد الرحيم محمد، في القضية المعروفة إعلاميا بـ"أحداث مكتب الإرشاد"، العديد من المفارقات التي تعكس طريقة إدارة النظام الحاكم في مصر، بواسطة القضاء، لما تبقى من قضايا لقيادات الإخوان، وإرادة التنكيل التي تعدت حدود ما كان يتصور بعضهم أنه عقاب أو تصفية حسابات أو ضغوط لزيادة كلفة استمرار الخصومة والمقاومة ورفع سقف شروط تجاوز عقبات الماضي الدموي. ليصبح الهدف الوحيد للتنكيل هو التصفية بلا حسيب ولا رقيب، إلى جانب العبث بالأحداث التاريخية بدس روايات سلطوية محضة تفتقر للمنطق، وتصديرها للمستقبل.

وتعود أحداث القضية إلى احتجاجات 30 يونيو/حزيران 2013، حين وقعت اشتباكات أمام مقر مكتب الإرشاد بضاحية المقطم شرقي القاهرة، سقط فيها عدد من القتلى والجرحى.


قضية مكتب الإرشاد هي من نوعية القضايا الأكثر هشاشة التي تم تحريكها منذ 2013 ضدّ الإخوان

وقضية مكتب الإرشاد تحديداً هي من نوعية القضايا الأكثر هشاشة التي تم تحريكها منذ 2013 ضدّ الإخوان، من حيث طبيعة الأحداث التي عاصرها كل متابعي الشأن المصري وقت حدوثها، وكذلك طريقة توجيه الاتهامات والأدلة عليها. حتى أنها في مرحلة المحاكمة الأولى، كانت محط سخرية من المتهمين والدفاع على حدّ سواء، وكانت من أبرز القضايا التي وجهت فيها دفوع بسيطة ومنطقية لنسفها برمتها. لكن وكما كان متوقعاً، خصوصاً في الفترة التالية مباشرة لانقلاب 2013، صدر حكم محكمة جنايات القاهرة برئاسة القاضي معتز خفاجي (الشهير بإصدار الأحكام السياسية ضدّ الإسلاميين) بالسجن المؤبد لبديع والشاطر و10 آخرين والإعدام لأربعة متهمين غيابياً، وذلك في مارس/آذار 2015.

أدت سهولة القضية وضعف تأسيس الحكم على المتهمين إلى صدور حكم النقض الأول بإلغاء الإدانة وإعادة المحاكمة في وقت قياسي بالنسبة لمحكمة النقض، وذلك في يوليو/تموز 2016 بعد عام واحد تقريباً من تقديم الطعن.

المثير أنّ حكم النقض الصادر عام 2016 لم يكتف بنسف حكم الإدانة، بل فضح اهتراء الأسانيد التي ارتكنت لها دائرة معتز خفاجي، كما وجهت الحيثيات ضربات متتالية للقضية ذاتها، ولهيكل الإجراءات والشهادات والاتهامات الموجهة من النيابة العامة ذاتها، مما كان يستدعي عدم وصول القضية إلى مرحلة الإدانة مرة أخرى، بل وتأييدها من النقض بعد مضي 4 سنوات.

ووصفت محكمة النقض الإدانة بأنها "مضطربة ومتعارضة وقائمة على أسباب غير متجانسة"، وأنّ جميع الأوراق التي كتبتها المحكمة استناداً لقرار الاتهام الذي أعدته النيابة العامة "معيبة بالغموض والإبهام". ولا غرابة في قول المحكمة ذلك، لأنّ الواقعة من الأساس لا تعدو كونها هجوماً من مجموعات من البلطجية زعمت النيابة أنهم متظاهرون، تجرأوا على دخول مقر الجماعة وتحطيم محتوياته ونهبه وسلبه تحت الغطاء الأمني، وتقاعس الشرطة عن حماية المنشآت الخاصة والعامة، ما دامت تابعة للجماعة.

وفشلت النيابة في تقديم أي دليل حي على ضلوع أي من المتهمين المقدمين للمحاكمة في القتل أو التعدي أو التحريض، وهو ما عبرت عنه محكمة النقض عام 2016 بقولها: "خلت أقوال شهود الإثبات، وما ثبت من الإسطوانات المدمجة، والاتصالات التي تمت بين المحكوم عليهم وبعضهم البعض ومعاينة النيابة العامة وما ثبت بتقارير الطب الشرعي والمعلم الجنائي وإدارة المفرقعات، وكذلك أقوال الشهود، مما يفيد برؤيتهم أياً من المتهمين يرتكبون جريمة القتل العمد أو التحريض عليه".


فشلت النيابة في تقديم أي دليل حي على ضلوع أي من المتهمين المقدمين للمحاكمة في القتل أو التعدي أو التحريض

كما أنّ القضية ليس بها أي دليل على إطلاق المتهمين النار على المتظاهرين بصفة عامة والمجني عليهم بصفة خاصة. ويؤيد هذه الرؤية حكم النقض عام 2016 بقوله: "لا أثر (في حكم الإدانة) لأي شواهد أو قرائن تؤدي إلى ثبوت إطلاق المتهمين للنيران التي أودت بحياة المجني عليهم وإصابة آخرين، أو ثبوت اشتراك باقي المتهمين معهما".

قضية فارغة كهذه وُجد لها طوق نجاة وعمود أساس واحد تقوم عليه لتستمر في المحاكم لتحقيق هدف التنكيل، هذا الطوق كان أقوال ضابط وحيد بالمباحث اختص بالتحري عما حدث، لكن محكمة النقض عام 2016 رفضت الأخذ بأقواله، مؤكدة أنّ "قاضي الجنايات يستند في العقوبة إلى الدليل الذي يقتنع به وحده، ولا يصلح أن يؤسس حكمه على رأي غيره"، مع ملاحظة وصفها الرواية الأمنية بـ"الرأي".

وانتقدت المحكمة في ذلك موقف دائرة معتز خفاجي، محذرة إياه من "بناء العقيدة للحكم على أقوال مجري التحريات وحده، من دون أن تبني المحكمة عقيدتها بنفسها، بطريقة مستقلة وبتحصيل المعلومات الضرورية"، مضيفة أنّ تلك الدائرة "تعسفت في استنتاجها، وتنافرت أسبابها مع المنطق"، فضلاً عن أخذها ببعض أقوال المتهمين في أجزاء من الحكم، وعدم اعتدادها به في البعض الآخر.

ووفقاً للنظام الذي كان مطبقاً آنذاك؛ قبل أن يتدخل رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي وحكومته وبرلمانه بتعديل قواعد الطعن على الأحكام الجنائية بغية إصدار أحكام إدانة سريعة، فإنّ القضية عادت من النقض إلى محكمة استئناف القاهرة لاختيار دائرة جديدة. وكما هو معمول به في معظم القضايا الهشة من هذا النوع، تم إسنادها إلى القاضي محمد شيرين فهمي صاحب السجل الطويل في محاربة معارضي النظام بصفة عامة والإسلاميين بصفة خاصة، والذي توفي الرئيس المعزول محمد مرسي في إحدى الجلسات التي يديرها.

ومستفيداً من تجربة المحاكمة الأولى؛ ولعلمه بعدم وجود أدلة على القتل والتحريض، بادر شيرين فهمي إلى تغيير الاتهامات الموجهة ليكون الاتهام الرئيس "ضرب أفضى إلى الموت" وليس "القتل"، وعلى الرغم من ذلك، فإنه اختار أن يوقع على قيادات الجماعة العقوبة نفسها، التي كانوا يواجهونها من قبل: السجن المؤبد.

هذا التوجه انعكس على طريقة إدارة فهمي للجلسات ومعاملته السيئة للمتهمين، وحرمانه ذويهم من الحضور ولقائهم لشهور طويلة، وعدم قبوله أي طلب مقدم من الدفاع باستدعاء شهود أو بإعادة فحص أدلة بعينها، وقد ظهر ذلك في ما كتبه في ديسمبر 2018 من حيثيات تظهر اتجاهه السياسي وتعامله مع القضية من منظوره لا من منظور قانوني بحت، إذ قال: "نفوسهم الحاقدة وضمائرهم الميتة واستعدادهم الفطري للخيانة هي السند الحقيقي في المصير الذي وصلوا إليه، هم دائماً في خصومة مع وطنهم، يجيدون التطاول على الحكام والعلماء، مبدعون في تأجيج الأفراد على وطنهم، يزيفون الحقائق ويضللون الوعي العام، لا يميزون بين الحق في التعبير وركوب موكب التضليل وتشويه صورة الوطن، يزعزعون ترابط المجتمع، لا يحملون أي رسالة، بل يؤدون دوراً كلفوا به... وفي بداية عام 2013، ونتيجة لفشل الرئيس السابق في إدارة شؤون البلاد، ظهرت تظاهرات للمطالبة بعزله ورحيله عن الحكم، وتحدد يوم 30 يونيو 2013 لخروج الشعب في جميع أنحاء البلاد، مما دعا مرشد الجماعة ونوابه، في النظر في الأمر الذي يشكل خطورة بالغة عليهم وعلى جماعتهم".


فما فعله شيرين فهمي في حكمه هو محاولة تطويع القضية لملاحظات محكمة النقض مع الاحتفاظ بإرادة التنكيل التي يتعامل بها النظام

وادعى شيرين فهمي في روايته أن "الإخوان وضعوا خطة لفض التظاهرات، وأعدوا أنصارهم لوأد الثورة وبيتوا النية على ضرب أي متظاهر يحضر أمام المقر العام للجماعة، في إطار إجهاض الثورة والإبقاء على رئيس الجمهورية التابع لهم، وأحضروا ما يزيد عن 200 شخص مدججين بالأسلحة، وما أن بدأ المتظاهرون السلميون في التجمع حول المقر، حتى بدأت العناصر في ضربهم وإصابتهم، فأحدثوا في سبعة أشخاص إصابات أدت إلى موتهم، كما أحدثوا بأربعة أشخاص عاهات مستديمة".

واللافت أنّ شيرين فهمي وهو يضع نصب عينيه تلافي عيوب الحكم الأول؛ اعتبر أن قصد القتل غير متوافر، وبالتالي أزال عن عاتقه ضرورة إيجاد علاقة بين التحريض المزعوم ووقوع القتل، فكتب: "تبيّن من مطالعة الأوراق بعد تعديل القيد والوصف أن بديع والشاطر والبيومي حرضوا الثلاثة الآخرين على ارتكاب جريمة الضرب والتعدي على المتظاهرين أمام مكتب الإرشاد في المقطم يوم 30 يونيو/حزيران 2013، ولم يقصدوا قتل المجني عليهم الذين فارقوا الحياة في الأحداث، لكن تسببت الاعتداءات عليهم من قبل العناصر التي تحصنت داخل مقر الجماعة في وفاتهم".

ثمّ زعم، في كلمات موجهة لمحكمة النقض أيضاً، أنه لم يستطع على الإطلاق إيجاد أي صلة بين الأحداث وبين بعض المتهمين، على الرغم من تطابق موقفهم مع مواقف بعض المدانين، فحكم ببراءة ستة منهم، قائلاً: "لا يجوز الاستناد إلى مثل تلك القرائن في إثبات التهمة لأن الأحكام القضائية يجب أن تبنى على الدلائل واليقين، وكل حكم يبنى على الدلائل وحدها هو حكم باطل".

إذاً؛ فما فعله شيرين فهمي في حكمه هو محاولة تطويع القضية لملاحظات محكمة النقض مع الاحتفاظ منذ اللحظة الأولى لتسلم القضية، بإرادة التنكيل ذاتها التي يتعامل بها النظام. وهنا يأتي دور التدخلات السلطوية غير المباشرة في هذه القضية ومختلف قضايا الإخوان ومعارضي النظام، فإلى جانب توزيع كل هذا الكم من القضايا على عدد محدود من القضاة لهم آراء سياسية واضحة ومعلنة ضد من يقبعون في أقفاصهم، صدرت تعديلات القوانين الخاصة بالطعن أمام النقض في أبريل/نيسان 2017 لتكرس تحكم السلطة في أعلى محكمة جنائية بالبلاد، وتكرس الضغط المستمر عليها لتوقيع عقوبات على المعارضين وحرمانهم من الفرصة الكاملة للدفاع عن أنفسهم كما كان يحدث سلفاً في معظم الحالات. فتأييد النقض لحكم شيرين فهمي أخيراً هو حلقة في مسلسل مستمر منذ عامين تقريباً، جنحت خلالهما المحكمة إلى الإدانات من دون اعتداد بالثغرات الكبيرة التي يطرحها المحامون في طعونهم، والتصدي السريع لأوراق القضية من دون سماع جديد للشهود أو تحقيق مغاير لما حدث أمام دوائر الجنايات المختارة بعناية. وهذا دليل حي آخر على دخول العدالة دائرة مفرغة من أدوات التنكيل والعصف بالحقوق والحريات، لا فكاك منها بالوسائل الدستورية أو القانونية.

ومن الناحية السياسية، فإنّ توقيع أول حكم إدانة باتّ على خيرت الشاطر ورابع حكم بالمؤبد على محمد بديع، دليل آخر على عدم سماح النظام بأي سيناريو آخر غير ترك قيادات الإخوان جميعاً خلف الأسوار، فريسة للمرض والموت من دون مراعاة لسن أو ظروف أو مناشدات إنسانية، كما حدث مع المرشد السابق للإخوان محمد مهدي عاكف، والرئيس المعزول محمد مرسي. وبمرور السنوات، يغدو تفاعل المنظمات الحقوقية والأطراف الدولية أقل حدة وتأثيراً من السابق عند صدور أحكام انتقامية كهذه، مما يمهد الطريق لمزيد من العصف بقواعد الجماعة ومؤيديها.