"أبو ديس"... عاصمة "صفقة القرن" لن تكون عاصمة فلسطين

30 يناير 2020
الصورة
خارطة جديدة لتصفية القضية الفلسطينية (Getty)

بعد أن أعلنت الإدارة الأميركية رسمياً ما تسمى "صفقة القرن"، باتت بلدة أبو ديس جنوب شرق القدس المحتلة، والمطلة على مدينة القدس، مطروحة كعاصمة بديلة للدولة الفلسطينية التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وما إن أعلن ترامب رسمياً عن الصفقة، أمس الثلاثاء، حتى عادت أبو ديس للواجهة مجدداً، وسط رفض فلسطيني للصفقة التي اعتبرت خارطة جديدة لتصفية القضية الفلسطينية.

"أبو ديس" الواقعة إلى الجنوب الشرقي من القدس وتبعد عنها نحو أربعة كيلومترات، وعن حدودها الغربية عن المسجد الأقصى بنحو كيلومترين فقط، تعد خاصرة القدس وبوابتها الشرقية الجنوبية، ونقطة التقاء شمال الضفة الغربية بجنوبها وبمنطقة أريحا ونقطة للاتصال مع الأردن، لكنها بلدة صغيرة لا توجد فيها أية معالم دينية أو أثرية، وأخرجها الاحتلال من القدس خلف جدار الفصل العنصري، فيما تحاول إدارة ترامب وإسرائيل فرضها كعاصمة للفلسطينيين بالأمر الواقع.

ويؤكد الفلسطينيون أن عاصمة دولتهم التي يحلمون بأن تقام ذات يوم، لن تكون غير مدينة القدس المعروفة لهم والمحددة بحدودها الواضحة سواء البلدة القديمة البالغة مساحتها كيلومتراً واحداً، وكذلك امتداد هذه البلدة على ما مساحته ستة كيلو مترات لتشمل أحياء مثل سلوان، رأس العامود، واد الجوز، والشيخ جراح وما جاور هذه الأحياء.

ويشدد القيادي في حركة فتح حاتم عبد القادر لـ"العربي الجديد"، على أنه لن تكون أية بلدة أو منطقة أخرى عاصمة للدولة الفلسطينية العتيدة، ولن تقبل أبو ديس أو مخيم شعفاط، أو كفر عقب عاصمة لفلسطين. ويضيف: "أبو ديس جزء أصيل من محافظة القدس، لكنها لن تكون أبداً عاصمة لدولتنا".

وفيما يثار من تساؤلات حول تفاهمات باسم وثيقة بيلين- أبو مازن وموافقة الأخير على أن تكون أبو ديس عاصمة للدولة الفلسطينية المقترحة، قال عبد القادر: "لا أعتقد أن أبو مازن وافق على طرح كهذا، بل إنه نفى مثل هذا الأمر حين أثير كثيراً من اللغط حول الوثيقة، ما أعلمه أن الأمر كله يتعلق بدراسة أفكار ومقترحات ورؤى لم يوقع عليها أحد، ولم يوافق عليها، وأي مسؤول فلسطيني بمن فيهم أبو مازن لن يجرؤ على قبول شيء من هذا القبيل، ونحن في فتح لن نقبل عاصمة للدولة غير القدس".

سكان بلدة "أبو ديس" ذاتها يرفضون أن تكون بلدتهم عاصمة لدولة فلسطين، وهم يؤمنون إيماناً مطلقاً بأن القدس التي كانوا يصلونها في بضع دقائق قبل أن يحاصر بلدتهم جدار الفصل العنصري، هي مطلبهم كعاصمة، ولن يكون بديلاً عنها أية بلدة، كما يقول محمد عريقات من سكان أبو ديس في حديثه لـ"العربي الجديد".

ويقول عريقات إنه "لن ينسى أسواق البلدة القديمة من القدس والمسجد الأقصى، أبو ديس خاصرة القدس ومركز الدفاع عنها، ولن تصلح أن تكون عاصمة لفلسطين".

ويقطن في بلدة أبو ديس حالياً أكثر من 50 ألف نسمة، كما يقول الناشط هاني حلبية من سكان بلدة العيزرية التي تتحد جغرافيًا مع أبو ديس وحتى سكانياً، وهما واحد من ثلاثة تجمعات سكانية مع بلدة السواحرة الشرقية، حيث تمتد أراضي هذه البلدات الثلاث شرقاً على مسافة شاسعة تلامس أراضيها البحر الميت وغور الأردن.

يرى أبو حلبية في تصريحات لـ"العربي الجديد"، أن لموقع "أبو ديس" الجغرافي أهمية لا تشكل بأي حال بديلاً عن القدس العاصمة، وهو ما يعتقده أيضاً جميع الفلسطينيين القاطنين فيها، والذين تربوا على قدس واحدة معروفة المعالم.

منذ احتلال القدس عام 1967 صادر الاحتلال عشرات آلاف الدونمات من أراضيها، وأقام عليها كبرى المستوطنات اليهودية وأهمها: معاليه أدوميم التي تحتفظ بمخطط هيكلي يمتد على ما مساحته 35 ألف دونم، كما يقول لـ"العربي الجديد"، خبير الاستيطان المعروف خليل تفكجي، فيما يقطن البلدة نحو 40 ألف مستوطن، وتتربع على أراضي البلدة مستوطنات أخرى مثل كيدار، وميشور أدوميم، بينما يخطط الاحتلال لإقامة أكبر تجمع صناعي وسياحي واستيطاني ضمن ما يُعرف بمشروع E.1.

وصنفت اتفاقية أوسلو أبو ديس منطقة "ب"، وتبلغ مساحة البلدة 15.861 دونماً، منها 14.911 دونماً تقع داخل حدود الضفة الغربية، صودر من أراضيها لصالح الاستيطان ما مساحته 5880 دونماً، وتم الاستيلاء على ما مساحته 1990 دونماً وإعلانها مناطق عسكرية، وفي العام 2009 صادر الاحتلال أكثر من 500 دونم من أراضي البلدة، ليقيم جداراً فصلها عن مدينة القدس، في المنطقة الشرقية من أراضي البلدة، كما فصل منطقة جنوب شرق القدس عن باقي مناطق الضفة، وكذلك فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، وشطر البلدة ذاتها إلى نصفين، وقسّم العائلات إلى قسم خلف الجدار وآخر أمام الجدار.

ويتبع "أبو ديس" عشر خرب، أي قرى صغيرة جداً، ومع قدوم السلطة الفلسطينية، شيّد الفلسطينيون هناك في عام 1996 مقراً لمجلسهم التشريعي، أقيم ثلث المبنى على أراضٍ داخل حدود بلدية الاحتلال في القدس، ومنذ ذلك الحين بدأ الحديث عن المكانة السياسية الجديدة للبلدة بوجود هذا المقر، بالتزامن مع جولات من اللقاءات السياسية كانت عُقدت بين مسؤولين فلسطينيين وإسرائيليين.

ومنذ ذلك الحين كانت أبو ديس حاضرة من خلال الطروحات الإسرائيلية كعاصمة للفلسطينيين بديلاً عن القدس، في ما عُرف لاحقاً بوثيقة أبو مازن - بيلين، عام 1995، حيث أشيعت تلك الوثيقة وتضمّنت مقترحاً بتوسيع حدود القدس بشكل واسع وإقامة مجلس بلدي أعلى للقدس الكبرى، وضم الجزء الشرقي من المدينة وبلدتي العيزرية وأبو ديس ويطلق عليها اسم القدس، بينما يُعلن الجزء الآخر من القدس كعاصمة لإسرائيل، أما الأماكن المقدسة فسيعلن عن الحرم القدسي كمنطقة ذات حصانة وتحت السيطرة الفلسطينية، بيد أن الجانب الفلسطيني، وعلى الرغم مما نُشر عن موافقته على هذا الاقتراح، لكنه لم يوقع على أي اتفاق بهذا الخصوص.

وسعت إسرائيل خلال السنوات الماضية لترحيل التجمّعات البدوية في محيط مستوطنتي كيدار ومعاليه أدوميم، حيث تقطن على أراضي البلدة آلاف العائلات البدوية، وتوطينهم في مخيم قريب من مكب للنفايات شرق بلدة أبو ديس، وتجميعهم هناك داخل مخيم كان يقيم فيه أكثر من ثلاثة آلاف نسمة من أبناء عرب الجهالين، كانوا رُحّلوا من منطقة سكنهم عام 1997 ثم 1998، بعد ترحيلهم من مناطق سكنهم الأصلية في تل عراد بالنقب عشية النكبة قبل أكثر من 60 عاماً.