"آرهوس"... نموذج لمحاربة "البيئة المتشددة" أوروبياً؟

"آرهوس"... نموذج لمحاربة "البيئة المتشددة" أوروبياً؟

21 نوفمبر 2015
الصورة
يعتمد النموذج على بناء الثقة بين السلطات والشبان(العربي الجديد)
+ الخط -
عاد الجدال حول فاعلية الخطوات الأوروبية المتخذة لمنع "التوجّه الراديكالي" للشباب الأوروبيين من أصول مهاجرة، وهذه المرة من البوابة الدنماركية، وتحديداً من مدينة آرهوس. المدينة التي يقطنها الآلاف من الدنماركيين من أصول مهاجرة، لطالما اعتبرها خبراء أمنيون الأكثر "تصديراً" لما يسمى "محاربي سورية". عقب اعتداءات باريس واستمرار الحديث عن الجيل الأوروبي المهاجر، عاد الخبراء أنفسهم، سؤال: "لماذا يغادر شبان ولدوا في أوروبا وعاشوا ثقافتها فجأة إلى سورية وغيرها، متوعدين بحرب بلا هوادة ضد مجتمعاتهم؟".

طرح 350 خبيراً من مؤسسات عدة في 36 بلداً هذا السؤال خلال مشاركتهم في أحد المؤتمرات آخذين نموذج آرهوس كنقطة محورية للإجابة على سؤال "كيف نمنعهم من التوجّه إلى مناطق النزاع وحمل السلاح والتدرب عليه ثم العودة إلى مجتمعاتهم وقد أصبحوا أكثر تشدداً؟". يقول الخبير في شؤون التوجّه نحو التشدد جوناثان بيردويل، للتلفزيون الدنماركي: "هناك وعي بين الخبراء بأن نموذج آرهوس هو الأفضل الآن ويجب نشره في باقي المدن الأوروبية".

النموذج الذي طُرح منذ سنتين تقريباً، أصبح معروفاً حول العالم واهتمت به كبرى وسائل الإعلام ومراكز ما يسمى "مكافحة التشدد"، وهو الذي "فرمل" أو أوقف توجّه الشبان من تلك المدينة نحو سورية للقتال فيها. وبعض هؤلاء الخبراء عادوا اليوم إلى النموذج لدراسته والأخذ ببعض حيثياته ليكون أساساً لمستقبل حواري مع الشبان في البلدات والمدن التي يوجد فيها من يوجد شك بأنه "يتّجه نحو التشدد".

شرطة المدينة، وبلديتها، قدمتا مشروعاً لعقد هذا المؤتمر تحت مسمى "المدن القوية"، وفيه سيتم تبادل الخبرات وإطلاع هؤلاء المجتمعين على ما قامت به مدينتهم بين الشبان، حتى الذين كانوا في سورية وعادوا منها، وفي الأساس يقوم كل شيء على الحوار الذي اطلعت "العربي الجديد" على بعض طرقه. فأئمة المساجد يقومون بدور مع الشرطة التي تتصرف بعيداً عن الفوقية وتدخل في حوار جدي "عن بدائل المساعدة" بدل حمل السلاح.

لكن تلك المشاريع تخبطت العام الماضي، بسبب السياسة الداخلية والتوجّهات الحزبية ليمين الوسط والمتشدد، حين قامت حملة تتهم الأئمة الذين ساهموا في الحوارات بأنهم "يحرّضون ويجنّدون" لسفر هؤلاء الشبان. أمر نفاه أكثر من مرة لـ"العربي الجديد" القائمون على مسجد مثير للجدل في شارع غريمهوي بضواحي مدينة آرهوس.

ويقول رئيس بلدية المدينة ياكوب بوندسغوورد إن "على الجميع أن يكون منخرطاً وبفاعلية وطيلة الوقت لمنع انجذاب الشبان إلى البيئة المتشددة"، وهو يناقش ما قامت به بلديته بشأن الضواحي التي تقطنها أغلبية مهاجرة كمنطقة برابرند، حيث يوجد مسجد غريمهوي المتهم والعائد الآن لواجهة الحوار والنموذج المذكور بعد فترة تحريض طويلة. رئيس البلدية، المعروف بين البيئة المهاجرة وصفوف الشبان من أصل مهاجر، يعتبر أنه من المهم "إيجاد طرق وبدائل أخرى مع الإبقاء على محاربة نشر التشدد عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتحذير منها".

اقرأ أيضاً: الدنمارك تلاحق "محاربي سورية"... فهل تعاقب مواطنيها الأكراد؟

ما يعتمده نموذج مدينة آرهوس يستند إلى بناء الثقة بين السلطات (في المجتمعات الغربية) وهؤلاء الشبان واليافعين وأسرهم ومحيطهم الاجتماعي. وأهم ما في الأمر هو الحوار ثم الحوار، بحسب ما يجمع في حديثهم لـ"العربي الجديد" أخصائيون اجتماعيون ورجال الشرطة وأئمة مساجد، بالإضافة إلى استقبال العائدين (وحدث ذلك حتى في العام 2014 لحالات اطلعت "العربي الجديد" عليها) وتقديم عروض بالعمل والدعم النفسي والإرشاد ووضع متابعين كبار لهؤلاء الشبان لإدخالهم ضمن النظام التعليمي لتحصيل الشهادات وإيجاد أماكن عمل لهم.

ويقول كثير من الشبان الذين ولدوا في المجتمع الدنماركي وكبروا فيه، بأنهم يشعرون بإحباط كبير بسبب غربلة أسماء بعضهم من طلبات التوظيف وغيرها من أمور، ويعترف آخرون بأنه "حين كنا مراهقين نحب الموسيقى والسهر في المدينة، كانوا يمنعوننا من دخول الحانات حتى لو كنا وُلدنا هنا"، مضيفين: "على الرغم من شكاوى كثيرة لم يحرك لا المجتمع ولا الشرطة الكثير لوقف التمييز الذي كان قائماً، وهو لا يزال بحق آخرين، بعد أن استسلمنا ولم نعد نحب ارتياد تلك الأماكن".

أحد الشبان يقول لـ"العربي الجديد"، رافضاً ذكر اسمه: "كنت أظن بأني مثل الباقين من أقراني الدنماركيين إلى أن اكتشفت في سن مبكرة أن هناك تمييزاً، واتجهت لأعمال جنائية، وحُكم عدة مرات عليّ بغرامات، وحين التقيت أحد الملتزمين دينياً أقنعني بأن ما أقوم به ليس فقط حراماً، بل معيب أخلاقياً". ويضيف: "حين توقفت عن تلك الممارسات سألتني الشرطة بكل وقاحة: هل أصبحت متطرفاً؟، وهو سؤال يعني بالنسبة لي أنهم يريدونني أن أظل مصنفاً جنائياً بلا مستقبل أو دراسة". هذا الشاب يدرس اليوم الهندسة بعد أن اختار بنفسه طريقة أخرى لمساعدة من يسميهم "إخوتنا المظلومين في سورية" من خلال المساهمة بجمع تبرعات عينية موافق عليها من البلدية والشرطة ويجري نقلها بشكل نظامي.

لا يعتبر بعض الأئمة الذين تحدثوا لـ"العربي الجديد" نموذج آرهوس فعالاً ما لم يتم التخلص من "الإسلاموفوبيا" وجعل هؤلاء الشبان يخوضون حياتهم مثل أي شاب غربي من دون تمييز خوفاً من الدين، أي حتى "الصلاة في المساجد، بعد أن يكون أحد هؤلاء الشبان مسجّلا خطر، بات يُنظر إليه كمتشدد ويناقشوننا في الأمر، سواء من الاستخبارات أو الشرطة أو حتى الموظفين". يعترف هؤلاء الأئمة بأن النموذج جيد لكنه يحتاج لانفتاح أكبر، بحيث تكون المجتمعات مبنية على المواطنة وليس على الشك والريبة، وخصوصاً أمام تصاعد نبرة اليمين المتطرف الذي "لا يتم الرد عليه بما يكفي من الأحزاب السياسية التي تهتم بعدم خسارة الأصوات، سواء عندنا هنا في الدنمارك أو السويد وغيرها، مع انجرار الأحزاب من يمين الوسط، ومن بعض يسار الوسط، لمجاراة ذلك الخطاب الذي يخلق تصادماً بين الجيل المولود غربياً والذي يتحول إلى مجتمعات هامشية ومحيطه الذي يضعه تحت الشك بالتعميم".

يأخذ أحد الأئمة ملصقاً نشره حزب محافظ في انتخابات يونيو/حزيران الماضي ويسأل: "حين يرى شاب غربي من أصول مسلمة ملصقات انتخابية تساوي بين دينه ودين أبيه وأمه مع النازية، فكيف سيكون شعوره؟ هذه الأمور التي يعدّها البعض غير مهمة هي مهمة". ويضيف: "لو كان الانتقاد لحركات سياسية إسلامية كما يجري عادة انتقاد حركات سياسية غربية داخلياً، لتفهمنا الأمر وتفهمه الشباب، لكن حين تضيف ذلك إلى التمييز بالتوظيف والفرص والحملات الإعلامية، فلا شك بأنك تحتاج لعمل وجهد كبيرين من أجل أن تُقنع هؤلاء الشبان بأنك تعني ما تقول عن دول القانون والمواطنة".

اقرأ أيضاً: الدنمارك تستنفر جهودها للتصدّي لـ"جهاد" شبابها بسورية والعراق

المساهمون